عدد الزيارات : 1062
المقالات الرعوية 28 كانون أول 2016


عيد الميلاد

خلق جديد

الأب علم علم

يوجز القديس غريغوريوس النزيانزيّ تعليم الكنيسة البيزنطيّة في عيد الميلاد بقوله الشهير: "ليس ميلاد السيد المسيح احتفالا بالخلق، بل بإعادة الخلق". ميلاد المسيح حدث تاريخيّ. غير أنّه ليس هدفًا في حدّ ذاته، بل وسيلة لتجديد الخلق وتقديسه، أو قُلْ لإعادة الخلق من جديد. والواقع أننا في عيد الميلاد لا نحتفل بمولد طفل، بل بميلادٍ جديد وتحوّلٍ نهائيّ للبشريّة، بل للخليقة بأسرها. كان العالم عبدًا للخطيئة بسبب تمرّد الانسان، فافتداه المسيح. وإذْ تأنّس المسيح، افتدى العالم برمّته.

المسيح حوّل الخليقة

الميلاد خلق جديد الأب علم علم عندما تأنّس كلمة الله لم يصبح رأسًا لبشريّة جديدة فحسب، بل سيّدًا لخلق جديد. ولــمّا اتّخذ جسدًا ضمّ إلى ذاته الخليقة كلّها ليُشركها في ألوهته. وهكذا تحوّل الكون تحوّلاً جذريّا بيسوع المسيح. في شخصه تقدّس العالم كلّه، حجارةً وترابًا، نباتًا وحيوانًا. أرضنا نالت به الخلاص، بل استعادت كيانها إذْ خُلِقت من جديد. ولئن صحّ القول انّ المسيح افتدى البشريّة وبها افتدى العالم بأسره، فإنه يجوز القول أيضًا إنّ المسيح لا يزال يفتدي البشرية وبها يفتدي العالم كلّه. الفداء حصل في الواقع وبشّر ببدء خلق لا يزال مستمرًّا حتّى هذه السّاعة. وبتعبير آخر، لقد أصبح في مقدور العالم أن ينهض من عثرته بقوّة الرّوح القدُس الذي يعمل في المسيحيّين. ونظرًا لمحبة الله التي تجلّت في يسوع المسيح فإنّ العالم هو الآن حيّ وعامر بالحياة والنّور. كانت الخليقة قد سقطت بسقوط الانسان في الخطيئة. وهي ما زالت تئنّ متحسّرة وتتوق إلى الفداء والخلاص.

إيقونة الميلاد ومدلولها اللاهوتيّ

ولعلّ إيقونة الميلاد التقليديّة أفضل تعبير عن النظرة الأساسيّة للكنيسة الشّرقيّة إلى سرّ التجسّد الإلهيّ. فهذه الإيقونة تنطوي على عنصرَين رئيسيَّين:

الأوّل أنّها تؤكد الحدث التّاريخيّ الذي لا مجال للشكّ فيه، من أن الله تدخّل في التاريخ البشريّ بتجسّد المسيح. كما أن الإيقونة تؤكّد بتفاصيلها أنّ الكلمة المتجسّد هو في آن واحد إله وإنسان. والثّاني يشير إلى تأثير هذا الحدث العجيب في العالم، اذ إنّه جدّد خلق العالم وصالح جميع ما على الأرض مع ما في السّماء (كولوسّي 1: 20)

كما أنّ إيقونة الميلاد تجمع المخلوقات كلّها لتعرب عن شكرها للربّ المتجسّد، كلّ على طريقته الخاصّة:

"ماذا نقدّم لك أيّها المسيح لأنّك وُلدتَ على الأرض إنسانًا لأجلنا؟ فإنّ كلّ خليقة من خلائقك تقدّم لك الشكر: الملائكة الأناشيد، والسماء الكوكب، والمجوس الهدايا، والرّعاة العجَب، والأرض المغارة، والقفر المذود. أمّا نحن البشر فأمًّا بتولا". (من قِطَع خدمة الغروب).

وإذا أمعنّا النّظر في الإيقونة، وجدنا في وسطها بقعة مظلمة، كأني بها فوهة هوّة كبرى، هي مغارة بيت لحم، رمز الجسد والمادّة والعالم الغارق في الخطيئة، التّائق إلى نور الفداء ليبدّد عنه الظّلام. أمّا نجم بيت لحم، فيرسل أشعّته الذّهبيّة لتنير ذاك الذي حطّم أغلال الجحيم وبدّد الظّلمة وقضى على الموت، عندما أفرغ ذاته ووُلد لأجلنا: إنّه الطّفل الإلهيّ الملفوف بالأقماط، والــمُضجَع في المذود. والأقماط ترمز إلى الأكفان التي سيُدفَن بها بعد موته.

والدة الإله

إنّها مريم العذراء، الكاملة القداسة، التي تقوم بدور مركزيّ في تاريخ الفداء. حجمها أكبر من باقي الأشخاص المرسومين في الإيقونة. إنها "تجديد لكل مولود على الأرض"، حوّاء الجديدة، أمّ البشريّة المخلوقة من جديد. وهي مساهمَة البشر الكبرى في سرّ التأنّس. فعندما وافقت على ذلك السرّ العجيب، كانت تمثّل البشريّة جمعاء. إنها العرش الحيّ لملك الكلّ. وهي لم تختبر آلام الولادة كغيرها من النّساء، لأنها ولدَت الكلمة ولبثَت بتولاً، وبذلك أكّدَت طبيعة ابنها الإلهيّة.

حتى عالمُ الحيوان يشغل دورًا مركزيًّا في الإيقونة، ممثَّلا بالثّور والحمار. فالكنيسة تُضفي أهميّة خاصّة عليهما، مع أنّ النصّ الإنجيليّ لا يشير إلى وجودهما. إنّهما يظهران دومًا في وسط إيقونة الميلاد، كرمز إلى الطبيعة كلّها التي أعاد المخلّص خلقها بتأنّسه.

ارتياب يوسف

يبدو القدّيس يوسف في عزلة واكتئاب، بعيدًا عن باقي الأشخاص الذين يظهرون في الوسط. فاستبعاده يرمز إلى أنّه ليس الأب الحقيقيّ للطّفل. وهو جالس وغارق في بحر من الشكّ والقلق والاضطراب، في طرف الظلمة المنبعثة من المغارة. إنه في حالة تنازُع باطنيّ، يصارع الشكّ في صحّة المعجزة التي تتمّ على مرأى منه. وهذا الشكّ تشاركه فيه البشريّة جمعاء، لأنّ التجسّد في نظرها أمرٌ لا يُعقَل. لذا نرى يوسف ينظر إلى المشهد المقدّس من فوق كتفه. وكم من إيقونة ترسم الشيطان بهيئة راعٍ يقف أمام يوسف مجرّبًا له – كما جرّب كثيرين غيره على مرّ الأيّام – ليحملهم على الشكّ في صحّة الميلاد البتوليّ.

بيد أنّ شكّ يوسف يوازيه إيمان المجوس القادمين على ظهور الخيل، بإرشاد من النّجم، ليقدّموا للطّفل الإلهي هداياهم، بل ذواتهم أيضًا باعتبارهم باكورة الأمم التي ستؤمن بالمسيح.

أمّا الملائكة فيمثّلون الملأ الأعلى، العالم السّماوي، إذ يقومون بدور مزدوج. أوّلا: عبادة المخلّص وتمجيده. ثانيًا: إعلان بُشرى الفرح العظيم للرّعاة الغائبين.

وكثيرًا ما تنطوي إيقونة الميلاد على مشهد مؤثّر أوردته الأناجيل المنحولة. وهو قيام قابلتَين بتغسيل الطّفل وفقًا للعادة المألوفة بين النّاس، وهذا يؤكّد صحّة تأنّس السيّد المسيح. وما إيقونة الميلاد سوى تجسيم لما ورد في نشيد الكنيسة:

"اليوم العذراء تلد الفائق الجوهر. والأرض تقرّب المغارة لمَن لا يسعه مكان. الملائكة مع الرّعاة يمجّدون. والمجوس مع الكوكب يسيرون. لأنّه من أجلنا وُلد طفل جديد وهو الإله الكائن قبل الدّهور". (النشيد الختاميّ لعيد الميلاد).

عندما نقوم - نحن المؤمنين الشرقيّين - بتكريم هذه الإيقونة، فإنّنا نعلن على الملأ الحدث العجيب لميلاد "الفائق الجوهر" وإعادة خلق الكون التي بدأت بميلاد هذا الطّفل "الإله الكائن قبل الدّهور."

المسيح ولد فمجّدوه!

لـمّا شاهد يسوعُ الانسانَ المخلوق على صورة الله ومثاله، ساقطًا بسبب المعصية، حنى السماوات وانحدر إلى الأرض. واتّخذ، دون أن يتحوّل، مسكنًا في حشا بتوليّ ليُعيد خلق آدم السّاقط، الصّارخ إليه: المجد لظهورك يا مخلّصي وإلهي. (من قطع اللّيتي – خدمة الغروب).

سقط الانسان من مثوى الحياة الإلهيّة الفُضلى. ومع كونه مخلوقًا على صورة الله، فقد أصبح بالمعصية خاضعًا خضوعًا تامًّا للفساد والانحلال. لكنّ الخالق بحكمته أعاد خلقه فتمجّد. (الأنشودة الأولى من سحَر الميلاد).

 

  

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك