عدد الزيارات : 1033
المقالات الرعوية 7 كانون ثاني 2017


أتيتُ لتكون لهم الحياة

الأب علم الياس علم

 "هذه هي الحياة الأبديّة، أن يعرفوك أنتَ الإله الحقيقيّ وحدك، ويعرفوا يسوعَ المسيح، رسولَك". بهذه الكلمات القليلة البسيطة يكشف لنا الإنجيل المقدّس عن هدف حياتنا. فالحياة الأبديّة تعني أن نعرف الله ونعرف ابنه يسوع المسيح. معظمنا يشعر أنّنا نعرف الله ويسوع لأنّنا نعلَم الوقائع التي تعلّمنا إياها الكنيسة عن الله. لكنّ معرفتنا لله تختلف كثيرًا عن عِلْمنا أشياء عنه. فالشّخص الذي يعلَم فحوى "الملفّ" الخاصّ بالله (الكتاب المقدّس وقانون الإيمان) لا يعرف بالضرورة اللهَ شخصيًّا. يمكننا مثلا أن نعلَم حقائق كثيرة عن الله وننقل للآخرين ما نعلَم عنه، دون أن نكون قد التقيناه ولو مرّة واحدة لقاءً يُعطي الحياة.

اتيت لتكون لهم الحياة الأب علم علم فممّا جاء في رسالة القدّيس يعقوب (٢: ١٩): "أنت تؤمن أنّ الله واحد؟ فنعِمّا تفعل! والشّياطين أيضًا تؤمن ...وترتعد!" فعِلْمُنا حقائق عن الله لا يحوّل المرء آليًّا إلى شخص إيمانُه حيّ. وما أكثر الذين يمضون عمرهم كاملا بإيمان بدائيّ! قد يعتنقون الإنجيل والتقليد الرّسولي ويحيون بالتّقوى، ومع ذلك يبقى إيمانهم إيمان الأطفال الذين يتعلّمون ما يقال لهم دون أن يكون لهم أي خبرة شخصيّة لتبريره. فإيمانهم مقصور على أشياء غيبيّة، بعيدة، لا على اختبار شخصيّ. فتكون النّتيجة أن إيمانهم يتزعزع لأوّل شدّة أو تجربة تعترض سبيلهم.

ومن البديهيّ أنّنا لا نقْدر أن نجابه أي تحدٍّ لإيماننا إن لم يكن لدينا سوى نظريّات عن الله. أمّا الذي يقوم إيمانه على وعيٍ لحضور الله الحيّ في حياته، فهو يعلم عن خبرة شخصيّة أنّ الله هو طاقة وحياة. وهو على يقين أنّ قول السيّد المسيح "أنا الطّريق والحقّ والحياة. أنا القيامة. أنا الكرمة. أنا الرّاعي الصّالح" ليس تجريدًا نظريًّا. بل ينطوي على صور مجازيّة تصف عمل الله كما يختبره المؤمن في حياته الشخصيّة. والمؤمن يوقن أنّ ما يؤكّده القديس بولس صحيح: "إننا نعلم أن جميع الأشياء تعمل لخير الذين يحبّون الله..." (رومة ٨: ٢٨)

كثير من المؤمنين وجدوا أن التّأمّل التّالي يساعدنا على أن نرى يد الله تعمل في حياتنا: لنتمهّل قليلا ونتأمّل في الأحداث التي نعتبرها منعطَفًا حاسمًا في حياتنا. لنتخيّل الوضع الذي نكون فيه لولا تلك الأحداث وما نجم عنها. هل نعتقد أنّ تلك الأحداث الحاسمة في حياتنا كانت مجرّد صُدَف حصلَت اعتباطًا؟ أم أنّها بالحريّ مرتبطة على نحو عجيب لم يخطر في بالنا حتّى الآن؟

المؤمن يعلم أنّ هذا الكون لم يحدث صدفةً، بل إنّه حتمًا من تصميم الله.

كما أنّ المؤمنين الموقنين أنّ لحياتهم هدفًا واتّجاهًا معيّنًا، لا بدّ أن يروا يدَ الله في تلك الأحداث. والمؤمنون النّاضجون هم على يقين بأنّ الله حاضر، ليس فقط في تلك الأحداث، بل أيضًا في كلّ لحظة من لحظات حياتهم. فهم لا يكتفون بقراءة "ملفّ الله"، بل يثقون بأنه يعمل ليعطيهم دورًا في التّدبير الخلاصيّ الذي صمّمه للعالم. لذا نراهم ناشطين في خدمته.

انّ اختبارنا الشخصيّ لعمل الله في حياتنا، لا يناقض معرفتنا له عن طريق الوحي الذي به كشف لنا عن ذاته. وإذا تبيّن أنّ خبرتنا الشخصيّة تناقض الكتاب المقدّس أو تعليم الآباء القدّيسين أو شهادة الكنائس التّاريخيّة، فذلك دليل أنّنا قد نكون ضحيّة للوهم. فإذا بدا لنا أنّ الله يأمرنا بمخالفة وصاياه، فذلك دليل قاطع على أنّ مثل تلك الأوامر لا يمكن أن تصدر عنه، وإنّما هي من نسج مخيّلتنا أو من عمل القوى الشّيطانيّة.

التقليد الرّسوليّ

اتيت لتكون لهم الحياة الأب علم علمإنّ مصدر الكتاب المقدّس واللّيترجيّة وكثير من الصّلوات والأصوام التي نمارسها، يعود إلى التّقليد الرّسولي، أي إلى اختبار الرّسل الشّخصيّ للسيّد المسيح أثناء حياته على الأرض، وللرّوح القدُس إذْ حلّ عليهم في اليوم الخمسين بعد القيامة. وقد تمّ تنظيم العقائد الجوهريّة وإدراجها في قوانين الإيمان، لا سيّما القانون النّيقاوي – القسطنطينيّ الذي تمّ وضعه في المجمعَين المسكونيَّين الأوّلَين، ولا نزال نتلوه في اللّيترجيّا الإلهيّة.

كما نجد تعبيرًا للتّقليد الرّسولي في مؤلّفات الآباء القدّيسين، ونصوص اللّيترجيّات التي وضعتها الكنيسة، وشهادة القدّيسين. وهذا التّقليد يعلّمنا أنّ الله خالق السّماوات والأرض ومصدر كلّ ما في الوجود. ونحن مدينون له وحده بوجودنا وكلّ ما هو لنا.

الثّالوث القدّوس

إنّه يتعذّر علينا أن نستوعب أنّ الله هو أبو ابنِه الأزليّ وكلمتِه، وأنّ الرّوح القدس ينبثق منه.

السيّد المسيح، محبّ البشر

هكذا أحبّ الله العالم حتّى إنّه أرسل كلمته الأزليّ، يسوع النّاصري، إلى العالم، ليشاطرنا طبيعتنا البشرية في كلّ شيء، ما عدا الخطيئة. فأثبت لنا أنّنا، مع ضعف أجسادنا، نستطيع أن نكون مرآة يتجلّى فيها حضور الله.

وفي الإنجيل أكثر من صورة رمزيّة تشرح للمؤمنين على مرّ العصور مَن هو يسوع المسيح:

اتيت لتكون لهم الحياة الأب علم علمهو خبز الحياة (يوحنّا ٦: ٣٢-٥٩) الذي يغذّينا ويسندنا طوال عمرنا.

هو ماء الحياة (يوحنّا ٨: ٣٧-٣٩) الذي يروي ظمأنا بالرّوح القدس.

هو نور العالم (يوحنّا ٨: ٢) الذي يضيء لنا الطّريق في هذه الحياة.

هو الباب (يوحنّا ١٠: ٧) الذي نعبر منه إلى المراعي الخصبة.

هو الرّاعي الصّالح (يو حنّا ١٠: ١٤) الذي يبذل حياته في سبيل خرافه.

هو الطّريق والحقّ والحياة (يوحنّا ١٤: ٦) الذي لا نستطيع الوصول إلى الله إلّا به وحده.

الرّوح القدُس

يسوع المسيح، كلمة الله المتأنّس، اختبر مَواطِن الضّعف البشريّ كلّها، بما فيها التّجربة، ما عدا الخطيئة (الرسالة إلى العبرانيين ٤: ١٥). لذا كان لا بدّ أن يكون حضوره الجسديّ بيننا قصيرًا كحضورنا. غير أنّه ابتكر طريقة خاصّة ليبقى معنا إلى الأبد على نحو جديد.  فقد وعدنا بأنّ الآب سيرسل إلينا الرّوح القدُس، المعزّي الآخر، ليكون معنا إلى الأبد (يوحنا ١٤: ١٦). وقد حلّ الروح القدُس على الكنيسة فعلا، كما وعد يسوع:

ليعلّمنا كلّ شيء، ويذكّرنا كلَّ شيء (يوحنا ١٤: ٢٦)

لنشهد بأن يسوع هو حقًّا المسيح، مخلّص العالم (يوحنا ١٥: ٢٦)

ليُولي الكنيسة سلطانًا لمغفرة الخطايا (يوحنا ٢٠: ٢٢-٢٣)

وبالرّوح القدُس نختبر عملَ المسيح في الكنيسة. فالروح القدُس ألهمَ تدوينَ أسفار الكتاب المقدّس وجمْعَها للتأثير في قلوب النّاس حيثما كانوا. والرّوح القدس هو الذي يخوّل الأسرار المقدّسة القدرة على أن تنقل للمؤمنين محبّة المسيح التي تخلّصهم وتغذّيهم وتغفر خطاياهم. والرّوح القدس يوزّع وفرة المواهب في الكنيسة لصالح جماعة المؤمنين. والرّوح القدُس، على مرّ العصور، هو الذي قاد كثيرًا من المؤمنين منذ طفولتهم، على دروب الإيمان، إلى أن بلغوا أمجاد القداسة.

 

فالله ليس فقط مصدر وجودنا على هذه الأرض، بل هو أيضًا مصدر حياتنا الأبديّة بيسوع المسيح. ومع أننا مغمورون في خضمّ هذه الحياة، فإنّنا نستطيع اختبار الاتّحاد مع الله حسبما يقدّرنا على ذلك. وهذا ما يعنيه السيّد المسيح بقوله: "إنّما أتيت لتكون لهم الحياة، وتكون لهم وافرة." (يوحنّا ١٠: ١٠)

الأصل الانكليزي:

Source:https://melkite.org/wpcontent/uploads/٢٠١٢/٠٨/This_is_Eternal_Life.pdf

١٢. I HAVE COME THAT THEY MAY HAVE LIFE

 

  

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك