عدد الزيارات : 848
المقالات الرعوية 4 شباط 2017


لنُودعِ اللهَ حياتَنا كلَّها

الأب علم الياس علم

يروي لنا سفر أخبار الأيّام كم تكلّف الملك داود لبناء هيكل الربّ في أورشليم. ومع ذلك فهو يقول لله في صلاة التّدشين: "كلّ شيء منك، ومن يدك نعطيك." (١ أخبار ٢٩: ١٤). وهو بذلك يعترف أنّ كلّ شيء هو من الله وأنّنا نُعيد إليه ودائعَه.

شكر الله الأب علم علم بطريركية الروم الكاثوليك المكتب الإعلاميوأعظم عمل شكر لله نقوم به نحن المؤمنين هو الاحتفال بالقدّاس الإلهيّ (الافخارستيّا) وفيه ننضمّ إلى السيّد المسيح إذْ يقرّب ذاته لله لأجل خلاصنا. وعندما يرفع الكاهن القرابين لله، فإنه يكرّر باسم الكنيسة ما قاله داود: " ما لك، ممّا هو لك، نقرّبه لك عن كلّ شيء ومن أجل كلّ شيء."

كما أنّ أمّنا الكنيسة تدعونا إلى أن نقرّب لله حياتنا اليوميّة عبادةً، لأن حياتنا هي من الله وكلّ ما لنا إنّما هو هبة تلقّيناها من الله، لا لمتعتنا الخاصّة، بل لخدمته. وطريقة التّفكير التي تجعلنا ننظر إلى ذواتنا وجميع ممتلكاتنا كوقف لله، نسمّيها "رِعاية". ففي مثَل الوزنات (متّى ٢٥: ١٤-٣٠   ولوقا ١٩: ١١-٢٦) يخبرنا يسوع عن ربّ بيت سلّم خدّامه وزنات من الفضّة وسافر. ولما عاد دعاهم إلى المحاسبة، أثنى على الذين استثمروا ماله. كذلك نحن، تسلّمنا ودائع كثيرة من الله. فهي ليست ملكًا لنا، وسوف نؤدّي حسابًا عنها. ويقول لنا الربّ في إنجيله الكريم: "اطلبوا أوّلا ملكوت الله وبرَّه، وهذا كلّه يزاد لكم". (متّى ٦: ٣٣). كما يدعونا إلى تحديد الأولويّات بحيث ننظر إلى كلّ ما في الكون على ضوء ملكوت الله، فنضع في المرتبة الأولى علاقتنا به، وما سوى ذلك فهو زائل. علينا إذَن أن نُودِع الله بعضُنا بعضًا وحياتنا كلّها.

ماذا تتناول رعايتنا؟

إذا قمنا بجرد كامل لكلّ ما نحن وكلّ ما لنا، أدركنا وَفرة النِّعَم التي مَنّ الله بها علينا. من واجبنا إذَن أنّ نُكرم المعطي بكيفيّة رعايتنا لمواهبه واستثمارها لخير كنيسته والعالم.

هبة الحياة: هي الهبة الأساسيّة التي نلناها من الله. لذا كثيرًا ما نمجّد الله بتسميتنا إيّاه "واهب الحياة" و"محبّ البشر". وواجب الرِّعاية يقتضي منّا أن نحترم حياتنا ونمتنع عن تبذير عطايا الله. وعلى المؤمنين أن يتعاونوا مع الآخرين بقدر المستطاع ليؤكّدوا أنّ الله هو سيّد الحياة منذ لحظة الحمْل حتّى لحظة الموت الطّبيعيّ لجميع أبنائه.

علاقاتنا: كلّنا خُلِقنا على صورة الله المثلّث الأقانيم. فعلينا أن نعكس هذه الصّورة في حياتنا، في علاقاتنا الزّوجيّة، ومع وأولادنا، ووالدينا، وأقربائنا، وجميع مَن وضعهم الله على دربنا، بحيث تُظهر سيرتُنا حبَّ الله لنا. علينا أن نغفر لهم إن أساؤوا إلينا، عملاً بما ورد في الصّلاة الربيّة: "أغفر لنا كما نغفر نحن أيضًا".

العالم الماديّ: يصف سِفر التكوين (٢: ١٥) كيف خلق الله الانسان الأوّل وأقامه في الفردوس "ليحرث الأرض ويعتني بها". فالبشريّة إذْ تلقّت العالم الماديّ من يد الله، صارت مسؤولة عن رعايته. ويُلاحَظ في هذا الصّدَد، أنّ الأقوام البدائيّة غالبًا ما تحترم الأرض، أكثر من المجتمعات الحديثة التي لا تستغلّ الأرض فحسب، بل تعبث بها.

الإنجيل: نال المؤمنون نعمة أثمن من الحياة الماديّة، إذْ إنّهم بالمعموديّة والإيمان أصبحوا يحيون حياة روحيّة تمكّنهم من التّواصل مع الله بوِساطة يسوع المسيح.

أمّا رعايتنا لحياتنا المسيحيّة هذه، فتقوم على مساندة الكنيسة في نشر البشارة. وبذلك ننقل هذه الحياة لِـمَن لم يتلقّاها بعد، وللذين ضعُف الإيمان في قلوبهم، كما قال السيّد المسيح لرجل أبرأه من المرض: "امض إلى بيتك، إلى ذويك، وحدّثهم بما صنع الرب إليك".

كنيستنا: إن الليترجيّات والمؤلَّفات اللّاهوتيّة والتقاليد التي تميّز كنيستنا يمكنها أن تساهم مساهمة فريدة في نهضة جميع الكنائس، شريطة أن نتقيّد بها ونمارسها على أصولها. فعلينا ألّا نكتفي بتقدير هذه المميّزات وصيانتها، بل من واجبنا أيضًا أن نضعها في خدمة من وهبنا إيّاها. كما يمكن أن نشاطر إمكانيّاتنا الماديّة مع باقي المسيحيّين، لا سيّما الوافدين الجدد التّائقين إلى عبادة الله بحسب تقاليدهم.

شكر الله الأب علم علم بطريركية الروم الكاثوليك المكتب الإعلاميمواهبنا الفرديّة: "ليخدُم كلّ واحد الآخرين، بالموهبة التي نالها، على ما يجدُر بوكلاء صالحين يرعَون نِعَم الله المتنوّعة" (١ بطرس ٤: ١٠). فكثيرًا ما يتكلّم الكتاب المقدّس عن المواهب الخاصّة التي لم ينَلها المؤمنون لأنفسهم، بل لخدمة الجماعة: "كلّ واحد إنّما يُعطَى إظهارَ الرّوح للمنفعة العامّة". (١ كورنثس ١٢: ٧) وقلّما نجد موهبة يتعذّر تسخيرها لخدمة المسيح وجسده السرّي. فكثير من المؤمنين يظنّون أن العمل في الكنيسة موقوف على رجال الدّين وحدهم. صحيح أنّ للكهنة مهامَّ خاصّة عليهم أن يقوموا بها، بيدَ أنّهم وُجدوا في الجماعة "لينظّموا عملَ الخدمة في سبيل بُنيان جسد المسيح." (أفسس ٤: ١٢) وبذلك يُثبتون أن الكنيسة هي حقّا جماعة كهنوتيّة مؤتمَنة على الاضطلاع برسالة خاصّة في العالم.

الموارد الماديّة: أكثر من ١٥% من أقوال السيّد المسيح الواردة في الانجيل تتعلّق بالمال والثّروة، لأنّه كان يدرك أنّ حُسن استعمال المال والممتلكات الماديّة له أهميّة كبرى في نموّنا الرّوحي. وهو يحثّنا على أن نتّكل على الله في كلّ شيء ولا نَقلق بشأن الغد (متّى ٦: ٣٣).

 كيفيّة المساهمة الماديّة: نجد في الكتاب المقدّس أكثر من مبدأ لتنظيم ما ينبغي أن نقرّب لله ممّا أعطانا. وكل هذه المبادئ تشير إلى التبرّع بجزء من خيراتنا لله ولشعبه:

بواكير المنتَجات: يحثّنا العهد القديم على تقديم بواكير منتجاتنا لله، إقرارًا منّا بفضله علينا في كل ما لدينا من مواهب روحيّة وماديّة. فعندما نقدّم له البواكير نُثبت أنّ له المكانة الأولى في حياتنا.

التّقادم النّسبيّة: "لا تَحضُروا أمام الربّ فارغين، بل كلّ واحد بما تهَب يدُه بحسب بركة الربّ" (التثنية ١٦: ١٧) وهذا يعني أنّ على الشّعب أن يقدّموا للربّ نسبة ممّا أنعم به عليهم.

فائض الرّزق: أمّا القدّيس بولس فيورد مبدأ آخر بقوله إن الله يهبنا ما نحتاج إليه لسدّ حاجاتنا. وكلّ ما فاض عن ذلك فهو لأعمال البرّ والإحسان. (٢ كورنثس ٩: ٨-٩). ومرّتين في خدمة الإكليل يسأل الكاهن الله أن يبارك العروسَين "حتّى إذا اكتفيا من كل شيء، ينموان في كل عمل صالح ومَرضيّ لديك."

الرّعاية والوِكالة: كلّ ما نحن وما لنا هو مِلْك لمَن وهبنا إيّاه. وأقلّ ما يعني ذلك هو الاقتداء بمحبّة الله وسخائه. ومما يقوله القدّيس غريغوريوس اللّاهوتي في هذا الشّأن: "أعطِ لله لتشكر له أنّه قدّرك على أن تُحسن إلى الآخرين بدلا من أن تكون واحدًا من المحتاجين إلى الإحسان، فينظر الآخرون إلى يدك السخيّة بدلا من أن تنظر أنت إلى أيديهم... كن بمثابة إله للمعوِزين على غرار ما يفعل الله الرّحيم. فأنْ تكون بمثابة إله في العطاء، هو الغاية القصوى للرّعاية. وأجمل صفة إلهيّة في الشخص البشريّ هي الإحسان... إنّ في مقدورك أن تصبح إلهًا دونما عناء. فلا تدع فرصة التألّه تفوتك." (القديس غريغوريوس اللاهوتي – الحديث ١٤: ٢٦ و١٧: ١٠).

 

English original:

Source:https://melkite.org/wpcontent/uploads/٢٠١٢/٠٨/Let_Us_Commend.pdf

LET US COMMEND OUR WHOLE LIFE TO GOD

 

  

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك