عدد الزيارات : 2143
المقالات الليترجية 2 آذار 2017


صلاة الأكاثستوس Άκάθιστσς

(مديح والدة الإله)

 

صلاة المدائح الأكاثستوسالمديح هو قصيدة طويلة من القصائد الكنسية. المرجّح أن ناظمه هو القديس رومانوس المرنم. المدائح مؤلفة من صلاة النوم الصغرى ثم تسع تسبحات للعذراء ثم المديح. للمديح مقدمة صغيرة تعرف اليوم بالقنداق (ترنيمة مختصرة) وتبدأ "نحن عبيدك يا والدة الإله..." ثم أربع أقسام أو أدوار، كل دور مؤلف من ستة مقطوعات وتسمى أيضا أبيات. المصدر الذي استقى منه الشاعر هذا المديح الرائع هو إنجيل لوقا، حيث الكلام عن بشارة رئيس الملائكة جبرائيل للعذراء مريم (لوقا ١: ٢٦-٥٦).

وأكاثستوس كلمة يونانية وقد أطلق هذا الاسم على مدائح العذراء لأن الاكليروس وجمهور الشعب القسطنطيني ترنّموا بها علنًا ولأول مرّة، في أيام الملك هرقل سنة ٦٢٦، وهم واقفون إجلالاً للسيدة الطاهرة وطلبًا لنصرتها وحمايتها واستعدادًا لحما السلاح بأسرع ما يمكن، عند أول إشارة، لصدّ هجمات الاعداء المحيطين بالمدينة المالكة، على نحو العبرانيين لدى بنائهم أسوار أورشليم في ايام النبي نحميا. وبما أن لغتنا العربية تفتقر الى كلمة واحدة تعبّر عن اللفظة اليونانيّة، فقد لجأ مترجمو كتبنا الطقسية الى هذه العبارة: نشيد لوالدة الاله "لا يجلس فيه".

تضاربت الآراء حول واضع هذا النشيد المريمي الرائع. فالعالم اليوناني بابادوبولوس كيراميفس ١٩٠٤ نسبه الى البطريرك فوتيوس (القرن التاسع)، وهذا زعم لا يسلّم به أحد اليوم. ونسبه اخرون الى بطريرك القسطنطينية سرجيوس الاول (٦١٠-٦٣٨) واخرون الى جورج بيزيدس أمين مخطوطات كنيسة آجيا صوفيا في عهد الملك هلرقل (كورسيوس). على أن النقد العلمي الحديث يرجّح انتسابه الى القديس رومانس الحمصي المنشأ إمام الشعراء والمنشدين الكنسيين. ولد هذا القديس في اواخر القرن الخامس في حمص عاصمة سوريا الوسطى من عائلة يهوديّة الاصل وكان شماسَا انجيليًا، خدم في كنيسة القيامة في بيروت، وانتقل بعد ذلك الى القسطنطينية في اواخر عهد الملك انسطاسيوس الاول (٤٩١-٥١٨) على الارجح. وقد ظهرت له العذراء في الحلم في كنيسة منطقة كيروس المشيّدة علة اسمها ودفعته الى نظم الشعر والكتابة. توفي حول سنة ٥٥٦ تاركًا ما يربو على ألف نشيد ديني لم يبق من هذه الاناشيد اليوم سوى مئتين، بعضها مبعثر في رتب الفرض الالهي.

عدد الابيات الذي يتألف منه نشيد المدائح ٢٤، على عدد الاحرف الابجدية اليونانية. فيبتدئ كل بيت بحرف من هذه الاحرف الهجائية. وتتناول كل اسرار حياة العذراء واعيادها بدءاً من بشارة الملاك جبرائيل. وفي القرن الثامن وضع الشاعر الكنسي "يوسف المنشئ" قانونًا حذا في تأليفه حذو القديس يوحنا الدمشقي، يرنّم به على اللحن الرابع قبل بيوت المدائح التي نظّمها القديس رومانس.

أمّا قنداق "نحن عبيدك يا والدة الاله" الذي يُرنّم به قبل بيوت المديح فقد وضعه البطريرك المسكوني سرجيوس الأول (٦١٠-٦٣٨) عقب إنقاذ القسطنطينية بأعجوبة من يد الفرس والأفاريّين، وفيه تلميح صريح الى تدخّل البتول العجيب يوم ٧ آب من سنة ٦٢٦. ونختم صلاة الأكاثستوس بتقبيل أيقونة السيدة العذراء ونشيد "إن جبرائيل" من تأليف القديس العبقري يوحنا الدمشقي المتعبّد الكبير للبتول الطاهرة.

صلاة المدائح الأكاثستوسوُضع نشيد الأكاثستوس في الأصل لعيد البشارة بحسب رأي النقّاد العصريين. إن محور الكلام فيه عن التجسّد الالهي، سبب امتيازات والدة الاله كلها وسبب مجدها. أمَّا عيد الأكاثستوس (أو عيد تدخّل العذراء ونجاة المملكة في عهد هرقل) فلم يحتفل به أصلاً في سبت ثابت أي السبت الخامس من الصوم كما هي الحال اليوم، بل كان لبطريرك القسطنطينية الحرية أن يحتفل به في السبت الرابع او الخامس من الصوم بحسب التقويم الطقسي القديم يعود الى القرن التاسع. وعندما أصبح عيد البشارة عيدًا ثابتًا في ٢٥ آذار، فصل عنه الاحتفال بعيد الأكاثستوس، وجعل في سبت من أيام الصوم، وهو السبت الخامس في أيامنا الحاضرة "إن رتبة الأكاثستوس أو المدائح عزيزة على قلب المؤمنين التابعين للطقس البيزنطي، فيتسابقون كثيرين الى حضور هذه الصلاة التي تذكّرهم بسر المحبة العظيم، سرّ تجسّد الكلمة يوم عيد البشارة، وتعلن على مسامعهم الألقاب المجيدة التي خصّ بها الكتاب الكريم الأم السماوية، وكل رموز العهد القديم التي أشارت اليها".

أما ارتباطها بتاريخ الحماية المسيحية، فكانت المملكة البيزنطية المسيحية مهددة من كل جهة، واذا بالحضارة المسيحية التي كانت تلك المملكة تمثّلها وتحميها، اصبحت معرضة لغزوات الامم الغربية من فرس وآبار وعرب وغوط وصقالبة ومجر. وفي سنة ٦١٤ اجتاح الفرس بلاد المشرق، فدمّروا انطاكية ودمشق، واستولوا على اورشليم وقتلوا فيها في يوم واحد أكثر من مئة ألف مسيحي، وهدموا مزاراتها المقدسة، وسبوا رهبانها وكهنتها واساقفتها وبطريركها، وانتزعوا عود الصليب المكرَّم من على هيكل الجلجلة، وعادوا به الى بلادهم غانمين. فثار عليهم هرقل ملك الروم وكسرهم، واسترجع الاسرى وعود الصليب. ولكن الفرس ما لبثوا ان اعادوا الكرّة في سنة ٦٢٦، فهاجموا البلاد المسيحية وبلغوا اسوار القسطنطينية، وشدّدوا في حصارها، حتى قنط الشعب المسيحي فيها. وبالجهد استطاع الملك هرقل ان يخرج من المدينة ويجتاز صفوف المحاصرين لكي يذهب الى الاقاليم ويجمع الجيوش ويقودها لفكّ الحصار عن العاصمة.

كان في اثناء غيابه قد سلّم القيادة والحكم للبطريرك المسكوني سرجيوس، الذي توكل على الله ولم يهمل وسائل الدفاع الحربي. وكانت ليلة السابع من آب سنة ٦٢٦ الموعد الذي حدّده الفرس للهجوم على المدينة. فأمر البطريرك، وإذا بالجيش والشعب كله يجتمع فوق اسوار العاصمة يقضون الليل ساهرين، وقوفاً، شاكي السلاح. وعلت من صفوف المؤمنين ابيات "نشيد المدائح لوالدة الاله" الذي كان وضعه رومانوس الشاعر الحمصي، وإذا بالشعب كله يردد بعد كل بيت تلك اللازمة الرائعة: "افرحي يا عروسة لا عروس لها"، او اللازمة الأخرى "هللويا".

صلاة المدائح الأكاثستوسإذَا لم يكن هذا نشيد حرب، ولم تكن فيه اصلاً أي اشارة لجهاد او معركة او حصار. لكن تلك الابيات الملهمة، التي تضمنت أجمل ما ابتكره الشعور المسيحي من مديح للعذراء والدة الاله، كانت في ساعات الخطر تندفع طوعاً على شفاه المؤمنين وتصعد الى السماء متوسلة خاشعة.

وإذا بصفوف الاعداء تتحرك تحت جناح الظلام. وعبثاً انتقلت ابصار المؤمنين المحاصَرين الى مياه البوسفور لعلّها تبصر في ظلام الليل سفن الملك هرقل تحمل النجدة للعاصمة. وعبثاً نظر البطريرك الى ما تبقى من الجيوش المسيحية، وقارنها بجيوش الفرس الوثنيين... ولم يبقَ له من ملجأ إلا السماء...

وإذا بالأعجوبة المرتقبة تتم. فتظهر في السماء سيدة عظيمة جميلة ترفع يدها وتدفع الجيوش البربرية الى الوراء. وإذا بجحافل الفرس تتخاذل وتتراجع، وإذا بها تتخبط في الظلام وتتحارب، وإذا بغوغائها يملأ الفضاء.

وما تطلع الشمس حتى تبيد الرؤيا، ويبيد معها الاعداء المحاصرون. فهرع الشعب الى الكنائس، وملأ الساحات والشوارع. وارتفعت اصوات المرنمين تنشد من جديد "نشيد مدائح والدة الاله". ولهذه المناسبة وضع البطريرك لهذا النشيد التقليدي مقدمة جديدة تشير الى اعجوبة انقاذ العاصمة، وتعلن العذراء الطاهرة "قائدة لا تغلب" وسلطانة المدينة المالكة، فكان القنداق الشهير: "نحن عبيدك يا والدة الاله..."، وقد جاء في أصله اليوناني: "انا مدينتك يا والدة الاله..."

هذا المديح عبارة عن تاريخ حياة السيد المسيح مع الإشارة إلى بعض الحوادث التي رافقتها.

القسم الأول: يحتوي على إعلان الملاك لمريم حَبلها من الروح القدس وحَيرة العذراء من هذا الكلام الغريب. ثم ذهابها إلى نسيبتها أليصابات وأخيرا تعجّب يوسف من هذا الحبل.

القسم الثاني: يشتمل قصة ولادة المخلص وسجود الرعاة وتقديم المجوس للهدايا ثم عودتهم إلى بلدهم. وهرب مريم ويوسف بالطفل إلى مصر ورجوعهم منها ثم على تسليم الطفل إلى سمعان الشيخ.

القسم الثالث: يصف بصورة شعرية ممتازة تجديد الطبيعة البشرية من جرّاء ولادة المسيح الفادي وينصح الشاعر المؤمنين بأن يرفعوا عقولهم من الأرض إلى السماء، من حيث نزل الإله وصار على الأرض إنساناً مثلنا ليخلص الإنسان.

القسم الرابع: والأخير فكله مديح لائق بالعذراء مريم التي استحقت أن تكون أما لخالق الكل ثم يختتمه الشاعر بالدعاء إليها لتتشفع فينا لدى ابنها كي يبعد عنا كل الضيقات والمصائب.

وهناك كلمة تتردد كثيرا في هذا التسبيح هي كلمة "افرحي" أو "السلام عليك" وهي مأخوذة من قول الملاك جبرائيل ساعة بادر بالتحية المعروفة للسيدة العذراء لوقا ١: ٢٨.

علاقة المديح بالصوم

صلاة المدائح الأكاثستوسيسهر المؤمن، كالعذارى الحكيمات، في الأيّام الأولى من الأسبوع في التوبة والصلاة والصوم، ليؤهل ذاته للاتحاد بالعريس الربّ يسوع في المناولة، يومي السبت والأحد. لذلك فإن ليلة الجمعة – السبت هي ليلة الزفاف الليتورجي، والزيانة لاستقبال الرب.

يقوم المديح ليتورجيًا بالدور الذي أدته العذراء في التجسّد. فالعذراء هي الصلة بين الله والإنسان في التجسّد، هنا المديح يصير أداة الوصل الليتورجية بين أيّام الصوم، أيام الحزن البهيّ، ويوم الزفاف الإلهيّ للمؤمن.

نرتل في المدائح للبتول قائلين "افرحي يا مزيّنة النفوس بزينة العرس"، وهذا ما يحقّقه المديح. إنّه يوشّحنا برداء العرس حين ينظر المؤمن في العذراء وحين ينشد مرنّماً للعروس الأمّ، تقوده ترانيم المديح إلى طهارة النفس وتنقله من الحزن البهي إلى فرح الخدر البتوليّ.

إنّنا في المديح نتأمل في محبّة، وتواضع، وطهارة العذراء. ونعاين في ترانيمه صورة العروس الحقيقيّة المدعوين جميعنا إلى الاقتداء بمثلها. في المديح تتمّ أيضاً شفاعة العذراء، وما فينا من غير استحقاق تطهّره شفاعة العروس التي لا عروس لها.

مريم العذراء في صلاة المدائح

في هذا النشيد، نتوجّه إلى مريم العذراء بمدائح وابتهالات تبرز من خلالها علاقاتها بابنها الإلهي مخلّص العالم. فنحيّيها قائلين "السلام عليك…". فكل ما ورد في العهد القديم عن علاقة الله بالإنسان، تؤمن الكنيسة أنّه قد تحقّق على أكمل وجه في تجسّد ابن الله في أحشاء مريم العذراء، لذلك تدعو مريم بالألقاب التالية:

سلّم يعقوب (تك ٢٨: ١٢-١٣)، لأنّها وصلت السماء بالأرض بولادتها يسوع مخلّص العالم، الذي هو إله وإنسان. وبالمعنى عينه تدعوها “جسرًا ناقلاً بالحقيقة من الموت إلى الحياة” (المدائح، الأوذية الرابعة، ٢). 

 العلّيقة الملتهبة (خر ٣: ١-١٦)، والأتّون المتّقد (د ٣١: ٢٦-٩٠) لأنّ الألوهة سكنت فيها ولم تحرقها، والملقط الذي حمل الجمرة الإلهيّة المطهّرة من الخطايا (أش ١: ٦–٧).

 ندعوها أيضاً في صلواتنا بألقاب متنوّعة، تظهر علاقتها بابنها الإلهي: فهي الفردوس الذي يحوي في وسطه الربّ عود الحياة (تك ٢: ٩)، وهي المسكن المقدّس (خر ٢٥: ٨)، وتابوت العهد الذي كان يحوي وصايا الله لأنّها حوت كلمة الله (خر ٢٦)، وهي المائدة (خر ٢٥: ٢٨-٣٠)، ومائدة الحكمة (أم ٩: ١-١١)، والجرّة الذهبيّة الحاوية المنّ، الغذاء النازل من السماء (خر ١٦: ٣٢-٣٤)، وهي المنارة (خر ٢٥: ٣١)، وعمود النار الذي يهدي السائرين نحو أرض الميعاد (خر ١٣: ٢١) لأنّها ولدت المسيح نور العالم.

 هي جزّة جدعون المندّاة (قض ٣: ٣٦-٤٠) لأنّ كلمة الله نزل عليها كالندى وحلّ فيها.

 هي جبل الله المقدّس (أش ٢: ٢؛ ٣٠: ٩؛ مي ٤: ٨؛ حب ٣: ١– ٤).

هي أورشليم الجديدة. ففي العهد القديم، كان الناس يصعدون إلى جبل أورشليم للاستماع إلى شريعة الله، أمّا في العهد الجديد

فمريم هي الجبل المقدّس الذي يحوي كلمة الله.

 وهي أيضاً الجبل الذي، حسب نبوءة دانيال، "انفصل عنه حجر، لا بقوّة اليدين، فسحق الممالك الأرضيّة، وأنشأ مملكة لا تنقض إلى الأبد" (راجع دا ٢: ٣١–٤٥).

 وهي الكرمة التي زرعها الله لتعطي عنقودًا إلهيًّا ثمرة الحياة (مز ٨٠: ١٦)، وهي الأرض المباركة التي تعطي غلّة وافرة (مز ٦٧: ٧).

  

تابع أيضاً

السلامُ عليكِ يا من تُظهِرُ الحُكماء بِلا حِكمة

صاحب الغبطة يصلّي المديح الثالث ....

22 آذار
الاحتفال بعيد القدّيس يوسف العفيف

صاحب الغبطة يحتفل بعيد القدّيس يوسف العفيف ....

18 آذار
ليتورجيّا الصوم الأربعينيّ في الكنيسة البيزنطيّة

ليتورجيّا الصوم الأربعينيّ ....

16 آذار
المديح الثاني لأمّنا العذراء سيّدة دمشق

صاحب الغبطة يترأّس صلاة المديح الثاني ....

16 آذار
معرض الأعراس السنويّ الثاني

صاحب السيادة يفتتح المعرض السنوي الثاني لتنظيم الأعراس ....

14 آذار
المديح الأوّل لأمّنا العذراء

صاحب الغبطة يفتتح المديح الأول لأمنا العذراء

8 آذار
دخول صاحب الغيطة إلى رعيّة بلدة جديدة عرطوز

الزيارة الأولى لصاحب الغبطة إلى ....

19 شباط
بطريرك المحبّة معَ وزير التسامح

لقاء صاحب الغبطة مع وزير التسامح الديني في الإمارات ....

6 شباط


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك