عدد الزيارات : 2005
كنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك > تاريخ كنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك ونشأتها وأصل تسميتها 11 تشرين ثاني 2015

كَنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك

                                                      

أخذت الكنيسةُ الملكيةُ الأنطاكية بعد الفتح العثمانيِّ تتجاذبُها العواصم المسيحية الثلاث، ألا وهي رومةُ والقسطنطينية وموسكو. وقام بين المؤمنين تيّاران متضاربان، الواحد يناصر رومة وتعاليمها اللاهوتية، والآخر يعارض رومة ويجاري البطاركة اليونانيّين.

وحاول البطاركة الملكيّون فترةً من الوقت، أن يحافظوا على ولائهم لرومة دون أن يقطعوا روابط المودّة مع البطاركة اليونانيّين الأرثوذكسيّين. ولكن لم يكن بإمكان هذه الحالة أن تدوم طويلًا، فقد أرغمهم البطاركةُ اليونانيون على شجبِ آراء اللاتين شجبًا علنيًّا، كما فرضت رومةُ على أنصارها عدم الاشتراك مع الأرثوذكسيّين في الحفلات الكنسية، والامتناع عن قبول الأسرار المقدسة من أيدي كهنتهم. فانقسم الملكيون من جراء ذلك إلى فئتين، أصبح لكٍّل منها بطريركهُا وأساقفتها، فئةٍ جاهرات بالاتحاد مع كنيسة رومة، وحافظت قدر المستطاع على التقاليد الشرقيّة، فدعيت ب "طائفة الروم الملكيّين" وفئةٍ رفضت الاتحاد وتقرَّبت أكثر من ذي قبل إلى البطاركة اليونانيّين، واعتنقت آراءَهم اللاهوتية، ودعيت ب "طائفة الروم الأرثوذكس". وها نحن نتحدّث الآن عن طائفة الروم الكاثوليك.

ويُقسم تاريخُ هذا العصر من الوجهة الكاثوليكية إلى ثلاثِ حقَب:

١-             من الفتح العثماني حتى عام ١٧٢٤، وفي هذه الحقبة نما الإيمانُ الكاثوليكي، ولكنّ الكاثوليك لم يكونوا يؤلّفون فئةً خاصّة، وكان الملكيّون جميعهم كنيسةً واحدة.

٢-              من عام ١٧٢٤ حتى عام ١٨٣٣ وفيها استقلَّ الملكيّون الكاثوليك عن الملكيّين الأرثوذكس استقلالًا كنسيًّا، ولكنهم ظلّوا يؤلّفون في نظر الحكومة العثمانية طائفةً واحدة.

٣-             من عام ١٨٣٣ حتى اليوم، وفيها استقلَّ الرومُ الكاثوليك عن الروم الأرثوذكس استقلالًا سياسيًّا، وتمكّنوا من النموِّ والازدهار.

٤-             

من الفتح العثمانيّ حتى عام ١٧٢٤

لم يقُم بين الملكيّين ورومةَ خلافاتٌ دينية وجدالاتٌ عقائدية كالتي قامت بين رومةَ واليونانيين. وقد قبل الملكّيون بفرح إعلان الوحدة عقبَ مجمع فلورنسة. إلّا أن علاقاتهم الكنسية المتواصلة بالقسطنطينية والبطاركة اليونانيين، قد أرغمتهم على مجاراة الكنيسة الأرثوذكسيّة اليونانية في موقفها تجاه اللاتين، كما سايروها في الطقوس والتشريع الكنسيّ.

وما أن أطلَّ القرن السادس عشر حتى بدأت عوامل جديدة تؤثّر في الملكّيين، فحملتهم على اتخاذ موقف مستقلّ عن البطاركة اليونانيّين، وإعادة النظر في شجب اللاهوت اللاتينيّ جملةً.

وأهم هذه العوامل هي اتصالاتهم المتواترة بجيرانهم الموارنة الذين مكَّنوا علاقاتهم بكنيسة رومة، والدراسات اللاهوتية التي كان أفراد الإكليروس الشباب يقومون بها في مدرسة رومةَ للشرقيين، والوفود التي كان الباباوات يرسلونها إلى الشرق لإعادة صلات الوحدة إلى ما كانت عليه آنفًا.

وبقيت عوامل الاتحاد ضعيفةً إلى أن استقرَّ المرسلون الغربيون في حلب سنة ١٦٢٥ في عهد أسقفها الشهير ملاتيوس كرمه. وانتشروا منها إلى دمشق وصيدا وطرابلس وجبل لبنان، فنشأ بتأثيرهم جيلُ جديد مقتنع بضرورة إعادة الوحدة الكنسية مع رومة. وأشهر دُعاةِ الوحدة بين الملكيّين أنفسهم المطران أفتيموس صيفي، رئيس أساقفة صور وصيدا، والرهبان المخلصيّون والشويريّون الذين تأسَّست رهبانّيتهم في هذا العهد. أمّا البطاركة فلم يتخذوا مثل هذا الموقف الصريح، بل حاولوا كسب ودِّ رومة والقسطنطينية على السواء.

فقاوموا الكثلكة تارةً وتغاضوا عنها طورًا، حتى اشتدَّ أزر المعتقد الكاثوليكيّ، وكادت الطائفة بجملتها تصبح كاثوليكيةً لولا ردُّ فعل البطاركة اليونانيّين الذين وقفوا في وجه الكثلكة موقفًا متصلّبًا، فانقسمت الطائفةُ إلى شطرين، وخرج الروم الكاثوليكُ من العالم المسيحيّ الأرثوذكسيّ، فتجمدت حركة التقارب بين الشرق والغرب، تلك الحركةُ التي ظهرت في القرن السادس عشر.

 

بطاركةُ هذا العصر

البطريرك دورثاوس الثالث (١٥٤١-١٥٤٣): تداول مع بطريرك الموارنة موسى العكّاري، واتفق معه على أن يؤلّف الملكيّون والموارنة جماعة واحدة، فيقوم الكهنة الملكيّون بخدمة الموارنة، كما يقوم الكهنة الموارنة بخدمة الملكيّين. وسمحا بالتزاوج بين الطائفتين على أن تبقى الطقوسُ دون تغيير. غير أن البطريرك القسطنطينيّ إرميا عقد مجمعًا في القدس مع بطريركي الإسكندرية والقدس وعزلوا دورثاوس عن منصبه.

البطريرك يواكيم الرابع بنُ جُمعة (١٥٤٣-١٥٧٦): كان يناصر الاتحاد بكنيسة رومة، وأصدر سنة ١٥٦٠ منشورًا راعويًا منع وصف اللاتين "بالهراطقة" كما منع الطعن في قداسة البابا.

البطريرك ميخائيل السابع الصباغ (١٥٧٧-١٥٨١): اتّصل به ليوناردو، موفد البابا إلى حلب، فقدّم إليه البطريرك ميخائيل صورة إيمانه الكاثوليكيّ، وكان آنذاك مستقيلًا. وعقد ليوناردو مع البطريرك يواكيم الخامس ضوّ (١٥٨٠-١٥٩٢) اجتماعًا في دمشق، وحرَّضه على قبول مقرّرات مجمع فلورنسة والتقويم الغريغوريّ، فاعتذر يواكيم، وأكّد أنه لا يمكنه البتُّ في هذه الأمور، قبل الاتفاق مع بطريركي القسطنطينيةِ والإسكندرية.

وفي عهد البطاركة يواكيم السادس بن زيادة (١٥٩٣-١٦٠٤) ودورثاوس الرابع ابن الأحمر (١٦٠٤-١٦١١) وأثناسيوس الثاني الدباس (١٦١٢-١٦٢٠) وأغناطيوس الثالث عطيّة (١٦٢٠-١٦٣٤) قويت فكرة الاتحاد برومة وتمكّنت.

البطريرك أفتيموس كرمه (١٦٣٤-١٦٣٥): هو من أعظم أحبار الطائفة في عصرها الحديث، وقد أظهر بصراحة إيمانه الكاثوليكيّ. ولد في حماه سنة ١٥٧٢، وترهّب سنتين في دير القديس سابا قرب القدس، وعاد إلى وطنه، فقبل الرسامة الكهنوتية، فاكتسب بعلمه وفضيلته محبة الجميع واحترامهم. وجاء إلى حلب فانتخبه الملكيّون فيها أسقفًا عليهم، وقبل الرسامة الأسقفية في ١٢ شباط ١٦١٢ باسم ملاتيوس، وبقي أسقفًا في حلب حتى سنة ١٦٣٤، واهتمَّ كلَّ الاهتمام بأبناء رعيّته، وكان مثالاً للتجرّد والغيرة الرسولية، فجدّد في المدينة الحياة الروحية. وعُني بتصحيح ترجمة الكتب الطقسية، وأرسل مخطوطاتها لتطبع في رومة في مطبعة انتشار الإيمان. ولم تظهر النسخاتُ المطبوعة إلا بعد وفاته بمدة طويلة. ولما كان أسقفًا على حلب، أقبل إليها المرسلون الغربيّون من يسوعيّين وكّبوشيين وكرملّيين فأحسن استقبالهم. وساعد كثيرًا الأب كيروت اليسوعي في مهمّته الدينية، وعهد إليه تثقيف الإكليريكيين في الدار المطرانية. وكان الأب المذكور يأكل على مائدة الأسقف، ويتعجب من كثرة تقشّفاته. ولما توفي البطريرك أغناطيوس الثالث عطيّة سنة ١٦٣٤، انُتخب مكانه بطريركًا باسم أفتيموس، فأرسل إلى رومة الكاهن باخوميوس لعقد الاتحاد بالكنيسة الرومانية، ولكنه مات قبل عودة باخوميوس، فلم تطُل بطريركيته أكثر من ٧ أشهر.

البطريرك أفتيموس الثالث الصاقزي (١٦٣٥-١٦٤٧): وهو يونانيّ الأصل من جزيرة صاقز أوشيّو، وكان تلميذًا لسلفِه أفتيموس كرمه. وشهد له المرسلون بأنه كان يميل إلى الكثلكة ويؤيّدها، ولكنه لم يُفصح عن ميله هذا كسلفِه. وقد أتى بالأب كيروت اليسوعيّ إلى دمشق عام ١٦٤٣ ، ففتح فيها مدرسةً لأولاد طائفة الروم.

البطريرك مكاريوسُ زعيم (١٦٤٧-١٦٧٢): كان في بادئ الأمر كاثوليكيًا في الباطن، وقد ساهم في تنصيب البطريرك السُريانيّ الكاثوليكيّ أندراوس أخيجان، وأظهر آنذاك في خطاباته وفي رسالة بعثَ بها إلى الحبر الأعظم رغبته في الاتحاد. ولما سافر للمرة الثانية إلى روسيّا تغيّر موقفه تمامًا تجاه الكاثوليك.

البطريرك كيرلس الخامس زعيم (١٦٧٢-١٧٢٠): أراد أن يكسب صداقة رومة والقسطنطينية، فأرسل صورة إيمانه الكاثوليكيّ إلى رومه سرًّا دون علم البطاركة اليونانيّين، وقرَّر أن يحافظ على شركتهم الروحيّة ورضاهم خوفًا على منصبه البطريركيّ، فرسم للأبرشيّات الشاغرة أساقفةً يونانيين.

البطريرك أثناسيوس الثالث الدبّاس (١٧٢٠-١٧٢٤): كان حائرًا أكثر من سلفه بين الأرثوذكسيّة والكثلكة. وفي أيامه ازدهرت الكثلكة وقويت في حلب. قام برحلات كثيرة إلى رومانية، وطبع هناك باللغة العربية للمرة الأولى كتاب الفرض الإلهيّ، وكتاب القداس، وأتى إلى حلب بأول مطبعةٍ عربيّة سنة ١٧٠٦، وأرسل إلى رومة صورة إيمانه الكاثوليكي، إلا أن اتصالاته بأمراء رومانية وباليونان أضعفت فيه المعتقد الكاثوليكي. ولا تزال الآراء متضاربةً حول حقيقة إيمانه. وفي عهده دُعيت جماعة الروم المنضمّين جهرًا إلى الكنيسة الرومانية "بطائفة الروم الكاثوليك".

الرهبنانيّتان الجديدتان

اتسعت الحركة الكاثوليكية في عهد هؤلاء البطاركة، ولا سيّما في حلب ودمشق. وقامت إلى جانب الرهبان المرسلين الغربيين رهبانيّتان شرقيّتان تدعوان هما أيضًا إلى الوحدة،

لا بل كانتا أكبر دعامة لنشر الايمان الكاثوليكيّ وتنصيب أساقفة كاثوليكيّين مخلصين. وكان لحلب فضل تأسيس الرهبانية الشويرية، كما يعود للدمشقيّين تأسيس الرهبانية المخلّصية.

الرهبانية الشويرية:

نشأ في حلب في آخر القرن السابع عشر طغمةٌ من الشباب الكاثوليكيّين الذين امتازوا بالفضيلة والتقوى، فاقتبسوا العلوم الدينية عن الأب بطرس التولوي المارونيّ والايكونوموسِ ميخائيل بجع الملكيِّ الحلبيِ الكاثوليكيّ، وتضلّعوا في العلوم اللغوية العربية عن الشيخ سليمانَ النحويّ، فأنعش فريق الحياة الرهبانية في الطوائف الأربع الملكية والمارونية والأرمنية والسريانيّة في عصر واحد.

لم يكن للشبان الملكيّين في بادئ الأمر فكرةُ تأسيس رهبانيّة جديدة، بل تركوا حلب ودخلوا دير سيدةِ البلمند قربَ طرابلس، وترهَّبوا فيه. ثم تاقت نفوسُهم إلى حياة أفضل، فغادروا الدير سنة ١٧١٠، وانطلقوا إلى قرية الشوير في المتن من أعمال لبنان، وأصلحوا دير مار يوحنا المعمدان، وسكنوه وأسّسوا الرهبانية الباسيليّة الشويرية. ومن أشهر رهبانها الخوري جرجسُ عرجان الذي أصبح في ما بعد أسقف حلب باسم جراسيموس، والخوري ميخائيل حكيم الذي أضحى مطران حلب، ثم بطريركًا باسم مكسيموس، والخوري نقولاوس الصايغ الذي يعتبر مؤسسًا ثانيًا للرهبانية الشويرية لأنه نظَّمها وبناها روحيًّا وماديًّا، وبثَّ فيها الروح الطيبة مدة رئاسته التي دامت أكثر من سبعة وعشرين عامًا، وتوفي سنة ١٧٥٦. وقد اشتهر معه الشماس عبد الله زاخر الذي كان نابغة زمانه، وقد قيل عنه "إنه ملأ الشرق الأدنى طوال أربعين سنة جدلًا ونقاشًا، منطقًا ولاهوتًا، وتقشّفًا وإشعاعًا روحيًا، تأليفًا وتعريفًا، رسمًا وحفرًا وطباعة، علمًا وعملًا لمجد الله وخير القريب". وقد توفي سنة ١٧٤٨

   وفي السنة ١٨٢٦ انقسمت الرهبانية الشويرية إلى فرعين، فرع الحلبيّين وفرع البلديّين. فأصلح الأمير بشيرٌ الشهابي بين الطرفين المتنازعين.  

وانقسمت مرة ثانية سنة ١٨٢٩، وكان انقسامها نهائيًا فاعترفت به رومة سنة ١٨٣٨. واتخذ البلديّون مقرًّا لهم دير مار يوحنا المعمدان في الشوير. وسكن الحلبيّون دير الشير بمكّين قرب عاليه.

الرهبانية المخلصيّة:

أسّس هذه الرهبانية أفتيموس صيفي مطران صور وصيدا. ولد أفتيموس في دمشق سنة ١٦٤٣ وكان كاثوليكيًا صميمًا فقبل الرسامة الأسقفية من يدي البطريرك كيرلس الخامس زعيم عام ١٦٨٢. وجمع نخبةً من الشبان الأتقياء، ودرَّبهم بنفسه على ممارسة الحياة الرهبانية. ثم أرسلهم إلى القرى المجاورة داخل أبرشيته وخارجها، ليعظوا الناس بالإيمان الكاثوليكي. وكان الحبرُ الأعظم قد عيَّنه مدبرًا رسوليًا على جميع الروم الكاثوليك في البطريركية الأنطاكية، حيث لم يكن أسقفٌ كاثوليكي. ولما كثر عددُ هؤلاءِ الشبان المترهّبين وضاقت بهم دار المطران في صيدا، بنى لهم سنة ١٧١١ دير المخلّص بقرب جون على مسافة ١٦ كيلومترًا إلى الشمال الشرقيّ من صيدا. فكان هذا الدير مهد الرهبانية الباسيلية المخلصية. ولما توفي مؤسسها المطران أفتيموس صيفي سنة ١٧٢٣ تولّى منصب الرئاسة العامة الأب ميخائيل العجمي، وجدّدت رئاسته ثلاث مرات، وقد سعى سعيًا حثيثًا أثناء رئاسته لأجل اتحاد الرهبانيتين المخلصية والشويرية فلم يفلح في مسعاه. وتوفي سنة ١٧٦٣. وامتدَّ عملُ الرهبان المخلصيّين إلى أبرشية صور وصيدا وبلاد الجليل ودمشق وصيدنايا. وكان أشهر الرهبان المرسلين الأب ساروفيم طاناس وجبرائيل فينان.

وتأسَّس لكل من الشويريّين والمخلصيين فرعٌ من الراهبات. وقد انقسمت الراهبات الشويريات أيضًا إلى حلبيّاتٍ وبلديّات.

أوضاع الكثلكة عام ١٧٢٤

لما توفي البطريرك أثناسيوس الثالث دبّاس (١٧٢٠-١٧٢٤) آخر بطريركٍ مشترك بين الكاثوليك والارثوذكس، كان الروم الكاثوليك يشكلون عددًا لا يستهان به في أبرشيات بيروت وطرابلس وحمص واللاذقية. وفي دمشق وصيدنايا وجبال القلمون وحوران وبعلبك كانوا الأكثرية الساحقة. وأما في أبرشيتي حلب وصيدا فكانوا الكلَّ في الكل إلا ما ندر. وقد جاهر بالكثلكة عدة أساقفة ولا سيما أساقفة صيدا وحلب وصيدنايا، وبقي الإيمان الكاثوليكيّ في الطائفة رغم الحملة العنيفة التي شنّها البطاركة اليونانيّون بعد أثناسيوس دبّاس، وقد أدّت إلى شطر الطائفة شطرين.

من عام ١٧٢٤ إلى عام ١٨٣٣

انقسام الطائفة إلى شطرين

لما مات أثناسيوسُ الثالث دبّاس سنة ١٧٢٤ عزم الروم الكاثوليك في دمشق على أن يقيموا بطريركًا كاثوليكيًا لا يخشى المجاهرة بمعتقده. فوقع اختيارهم على الخوري ساروفيم طاناس، وهو ابن اخت المتروبوليت أفتيموس صيفي، وقد درس في مدرسة انتشار الايمان في رومة. فقبل الرسامة الأسقفية في كاتدرائية دمشق (المعروفة اليوم باسم المريمية) في ٢٠ أيلول ١٧٢٤، واتخذ اسم كيرلس السادس.

وقد بادر الدمشقيون إلى انتخابه ورسامته، لأنهم كانوا يعلمون أن البطريرك أثناسيوس الدباس قد رشّح قبل وفاته خلفًا له شماسه ونسيبه سلفستروس القبرصيّ الأرثوذكسي، وأوصى به الحلبيين. وقبل سلفستروسُ الرسامة الأسقفية في القسطنطينية في ٢٧ أيلول سنة ١٧٢٤ ونال براءةً سلطانيّة تعترف به بطريركًا أنطاكيًا. وارتاح الحلبيّون مع بعض الرهبان المرسلين إلى انتخابه، ولاموا تسرّع الدمشقيّين. ولكنهم ما عتّموا أن غيّروا رأيهم فيه لما عرفوا نواياه.

أما البطريرك كيرلس طاناس (١٧٢٤-١٧٥٩) فلما علم بانتخاب سلفستروس وبأوامر القبض عليه التجأ إلى لبنان، وأقام في دير المخلص تحت حماية الأمير حيدر شهاب وكبير مشايخ الدروز. وأقبل البطريرك سلفستروس سنة ١٧٢٥ إلى سورية واستولى على الكنائس والأوقاف والمدارس. وانقسمت الطائفة إلى شطرين، شطرٍ مال إلى كيرلس الكاثوليكيّ وشطرٍ تبع سلفستروس الأرثوذكسيّ. ولا يزال هذا الانقسامُ يفصل الطائفة الملكية إلى قسمين.

وتشرَّد الأساقفة الكاثوليك، واستعاض البطريرك سلفستروس عنهم بأساقفة أرثوذكسيّين، فقضوا على الكثلكة في أبرشيات حمص وطرابلس واللاذقية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يزيلوها من حلب ودمشق وبعلبكّ وصيدا وبيروت. والتجأ أساقفة حلب الكاثوليك إلى لبنان، ولم تتوسّع الكثلكة في ذلك العصر إلّا في الجليل، حيث كان الحكمُ بيدي الشيخ ظاهر عمر الزيدانيّ المستقلِّ عن العثمانيين والمحامي عن الكاثوليك (١٧٥٠-١٧٧٥). وهاجر الكثيرون من كاثوليك دمشق وحلب إلى مصر  هربًا من تسلط الأساقفة اليونانيين وتعسّفهم. واشتدَّ الاضطهاد على الكاثوليك في حلب عام ١٨١٨ وقُتل عشرةٌ منهم، واضطُرّ كهنتهم إلى الهرب حتى عام ١٨٢٥، فاهتم َّ الكهنة الموارنة بخدمة الكاثوليك.

البطاركة الكاثوليك

البطريرك كيرلس طاناس: لما كان في لبنان صدر سنة ١٧٢٩ حكمُ رومةَ بتثبيته بطريركًا شرعيًّا، وصدرت مع مرسوم التثبيت مراسمُ أخرى أهمُّها منع الكاثوليك من الاشتراك مع الأرثوذكس في القدسيّات. وفي سنة ١٧٤٣ أصدر البابا بندكتسُ الرابع عشر براءته الرسولية الشهيرة "لما قلَّد الرب حقارتنا" التي جعلها "سياجًا لكرمة كنيسة الروم الملكية، بل سياجًا متينًا لكرامتها، يمنع عنها تعدّي من كانت نفوسهم تسوِّل لهم التعدي عليها وعلى حقوقهم، لاعتبارهم أنها مستضعفة مضطهدة". فكان لها صدًى بعيدٌ في قلوب أبناء الطائفة، ففرحوا بها فرحًا عظيمًا. وعقد البطريرك طاناس ثلاثة مجامع لتنظيم شؤون طائفته، وتوفي سنة ١٧٥٩

وارتقى بعده السُدّةَ البطريركية الكاثوليكية سنة ١٧٦٠ البطريرك مكسيموس الثاني حكيم (١٧٦٠-١٧٦١) وكان مكسيموس رئيسًا عامًا على الرهبانية الشويرية، ثم رئيس أساقفة حلب سنة ١٧٣٢، وهو الذي ألَّف خدمة عيد الجسد الإلهيّ وامر بإقامة هذا العيد.

وخلفه البطريرك ثاودوسيوس الخامس الدهّان (١٧٦١-١٧٨٨) وقد فوَّض إليه البابا في ١٣ تموز ١٧٧٢ سياسة جميع الروم الملكيين الكاثوليك القاطنين في بطريركيتي الإسكندرية والقدس.

وانتُخب بعده أثناسيوس الرابع جوهر (١٧٨٨-١٧٩٤) بطريركًا على الطائفة الملكية فعقد سنة ١٧٩٠ مجمعًا في دير المخلص، وهو المجمع الطائفي الرابع، فأصدر عدة قوانين منها أنه رفع أسقفية حلب إلى مقام "المتروبوليتيّة".

وارتقى السُدّةَ البطريركية بعده كيرلس سياج (١٧٩٤-١٧٩٦) وكان راهبًا مخلصيًا، ثم رئيس أساقفة حوران شرفًا (١٧٦٣)، وتوفي في ٢٦ تكوز ١٧٩٦ "وكان مزدانًا بالاتضاع والاستقامة وحسن الطويّة".

 وخلفه أغابيوس الثاني مطر (١٧٩٦-١٨١٢) وكان راهبًا مخلصيًا. وقد سافر إلى أوروبا يوم كان مدبرًا للرهبانية ليجمع الإعانات اللازمة لإصلاح حالة الأديار التي نهبتها سنة ١٧٧٧ جنودُ الجزار والي عكا. واشترى أثناء بطريركيته سنة ١٨١١ دارًا واسعة في عين تراز، وجعلها مدرسة إكليريكية. وقد اشتهر في عهده المطران جرمانوس آدم متروبوليت حلب (١٧٧٧-١٨٠٩) بتآليفه اللاهوتية وكتاباته الكثيرة. وقد شذَّ في بعضها ومال إلى المبادئ اللاهوتية المتطرّفة المعروفة بالتعاليم الغاليكانية، وقد اقتبسها من مطران مدينة بستوا (بإيطالية)

وفي مطلع القرن التاسع عشر كان البطاركةُ الثلاثة من الرهبان. فقد كان أغناطيوس الرابع صرّوف (١٨١٢) شويريًا، وأثناسيوسُ الخامس مطر (١٨١٣) ومكسيموس طويل (١٨١٣-١٨١٥) من الرهبانية المخلصيّة.

وفي آخر عهد البطريرك أغناطيوس الخامس القطّان (١٨١٦-١٨٣٣) تقهقرت أحوال البطريركية بسبب عجزه وعماه. وكان كاتبه الشيخ ناصيف اليازجي.

من سنة ١٨٣٣ إلى يومنا هذا

مكسيموس مظلوم محرّرُ الطائفة الملكية

ارتقى السدة البطريركية بعد أغناطيوس الخامس القطّان البطريرك مكسيموسُ الثالث مظلوم (١٨٣٣-١٨٥٥) وهو الذي حرّر الطائفة الملكية الكاثوليكية من تبعية الطائفة الأرثوذكسية.

الأسقف: هو حلبيّ الأصل، ومن تلاميذ المتروبوليت جرمانوس آدم (١٧٧٧-١٨٠٩) وقد رقَّاهُ إلى الدرجة الأسقفية سنة ١٨١٠ البطريرك أغابيوس مطر فلم ترض به في حلب الفئة التي كانت تقاوم تعاليم آدم، ورفعت قضيته إلى الدوائر الرومانية، فلم يستطع أن يتسلَّم زمام أبرشيته فعيَّنه البطريرك أثناسيوس مطر وكيلًا له في رومة. فتوجَّه إليها سنة ١٨١٣ وبقي في أوربة حتى سنة ١٨٣١ أي تمانية عشرة سنة، أسَّس خلالها خورنية مرسيلية الملكية (١٨٢٠).

ولما كان البطاركة الكاثوليك يرغبون في عودة الرهبان اليسوعيّين إلى الشرق، عرض المطران مكسيموس مظلوم على مجمع انتشار الايمان أن يرافقهم إلى سورية، فرضي بذلك البابا غريغوريوس السادس عشر. فسافر مكسيموس مع ثلاثة رهبان يسوعيين، ووصل إلى بيروت في ١٣ تشرين الثاني ١٨٣١، واهتمَّ فورًا بتنظيم مدرسة عين تراز الإكليريكية، وبقي فيها اليسوعيون مدة من الزمن ثم غادروها إلى بكفيّا.

البطريرك: وتوفي البطريرك أغناطيوس القطان في ١٣ آذار ١٨٣٣ فعقد الأساقفة مجمعًا في دير الشير لانتخاب خلفهُ. وتوجهَّت إليه أبصار الجميع، فانتخبوه بطريركًا في ٢٤ آذار ١٨٣٣، واعترف البابا ببطريركيته سنة ١٨٣٦

أعماله الأولى: وباشر البطريرك مكسيموس فورًا أعماله الرسولية. كانت سورية خاضعةً لحكم المصريين، فاغتنم هذه الفرصة، ودخل دمشق في ٤ نيسان ١٨٣٤ دخولًا رسميًا ثم سافر إلى حوران فرسم لهذه الأبرشية أسقفًا، وانقلب إلى عين تراز وعقد في مدرستها الإكليريكية مجمعًا (٣-١٨ كانون الأول ١٨٣٥) اهتمَّ بشؤون أبرشية ديار بكر وأحوال الروم الملكيّين القاطنين في مصر.

وسافر إلى مصر سنة ١٨٣٦، واهتمَّ بأوضاع الطائفة فيها وبقي في مصر حتى سنة ١٨٤٠. ولما استعدّ للعودة إلى سورية قامت الثورة على المصريّين، فغادر مصر متوجّها إلى أوروبا ليبقى محايدًا بين إبراهيم باشا والسلطان عبد المجيد. وبقي في أوروبا حتى سنة ١٨٤١ ثم جاء إلى القسطنطينية.

لقبه الجديد: كانت أحوال الطوائف الكاثوليكيّة قد تحسَّنت كثيرًا بعد أن أعتقها السلطان محمودٌ الثاني سنة ١٨٣٠ من تبعة الطوائف الأرثوذكسية. وفي سنة ١٨٣٧ حصل البطريرك مكسيموس وهو في مصر على براءة شريفة من السلطان محمود بتسميته رئيسًا على البطريركيّات الملكيّة الثلاث، فطلب إلى البابا غريغوريوس السادس عشر أن يمنحه لقب "بطريرك الكنيسة الرومية الملكية الكاثوليكية" فمنحه البابا سنة ١٨٣٨ إنعامًا شخصيًّا وهو لقب "بطريرك إنطاكية والإسكندرية وأورشليم".

قضيّة القلنسُوة: وما تحرَّر كهنةُ الروم الكاثوليك، حتى أخذوا يلبسون القلنسوة الشرقية ولم يكونوا يلبسونها من قبل إلا في لبنان. وقامت بين الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس بشأن لبس القلنسوة مجادلةٌ طويلة، تدخَّلت فيها دولتا فرنسة وروسية.

فكانت فرنسة تدافع عن الكاثوليك، وروسية تحامي عن الأرثوذكس، والباب العالي يصدر الفرمانات المتناقضة تحت تأثير هاتين الدولتين. وأخيرًا توصَّل البطريرك بعد إقامة مدة ستّ سنوات ونيّفٍ في القسطنطينية (من آب ١٨٤١ حتى آذار ١٨٤٨) إلى أن يستعمل الكاثوليك القلنسوة الشرقية شريطة أن تكون مسدسة الزوايا بنفسجية اللون.

تحرير الطائفة: وفي أثناء هذه المدة سعى البطريرك مكسيموس لدى الحكومة العثمانية في أمر تحريره من "الكاهن البطريركي" المدنيّ الأرمني، والحصول على الحقوق والامتيازات نفسها التي كان بطريرك القسطنطينية الأرثوذكسيُّ يتمتع بها. فنال من السلطان عبد المجيد في ٧ كانون الثاني ١٨٤٨ براءةً تعترف بسلطته المدنية على الروم الكاثوليك. فتحَّررت الطائفة تحريرًا مطلقًا من كل سلطة خارجية. فبنى في القسطنطينية كنيسةً وأقام فيها نائبًا بطريركيًا يمثله لدى الباب العالي.

أعماله الأخيرة: وقدم إلى بيروت في شهر آذار ١٨٤٨، فاستقبله فيها أبناءُ طائفته بحماسة بالغة. وأراد أن ينظّم أوضاع طائفته الداخلية، فعقد في القدس مجمعًا سنة ١٨٤٩، وكان من قبل قد أمر ببناء كنيسة فيها تحت حماية سيدة البشارة. وجاء بعد المجمع إلى حلب فاستقبله فيها المسيحيون استقبال الظافرين. وبقي في حلب مدة من الزمن. وقد كدَّرت صفاء إقامته في هذه المدينة سنة ١٨٥٠ ثورةٌ كادت تقضي عليه. فهرب إلى أنطاكية ثم إلى دمشق، وبقي فيها حتى سنة ١٨٥٤

وفي سنة ١٨٥٤ سافر إلى مصر، وكان ينوي بناء كنيسة ودار بطريركيّة في الإسكندرية، فلم تتحقَّق أمنيته. فمات في ٢٣ آب ١٨٥٥ ميتةً تجلَّى فيها الوقار والايمان والتقوى.

وفي عهد بطريركيته ازداد عدد أبناء طائفته عشرين ألفًا، فاضحوا سبعين ألفًا. وكان عدد الأساقفة ثمانية فأصبحوا ثلاثة عشر. ويعتبر البطريرك الثالث مظلوم من أكابر بطاركة الطائفة الملكيّة الكاثوليكية، إذ له عليها الفضل في تحريرها وتنظيمها.

إكليمنضوس بحّوث والتقويم الغريغوريّ

وخلفه البطريرك أكليمنضوس بحّوث (١٨٥٦-١٨٦٤) وهو من الرهبان المخلصيّين. درس في رومة في مدرسة انتشار الايمان، ورسم كاهنًا سنة ١٨٢٤، وأضحى أسقفًا على أبرشية عكا سنة ١٨٣٦. وفي مطلع سنة ١٨٥٧ أصدر منشورًا بطريركيًا، قرَّر به ترك التقويم الشرقيّ واتّباع الحساب الغريغوري. ولمّا لم تكن الأفكار قد تهيأت لهذا التغيير، فقد قاومه بعض أبناء طائفته. ولمّا حلَّت سنة ١٨٦٠ وهي السنة التي حدثت فيها المذابح بلبنان ودمشق مدة ثلاثة أشهر، نسي الناس قضية التقويم واهتموا بأرواحهم وممتلكاتهم، فاضمحلَّ الخلاف شيئًا فشيئًا. وانضمَّ معظم أبناء الطائفة إلى البطريرك، وانصاعوا إلى ما رسمه. ولم يبق على عناده إلا فريقٌ ضئيل العدد تلاشى مع الزمن.

ومع ذلك فقد اجتمع البطريرك أكليمنضوس بالأساقفة في كنيسة مار يوحنا الشوير، وقدّم استقالته رسميًا سنة ١٨٦٤، ورفعها إلى الحبر الأعظم بيوس التاسع فقبلها. وانتخب الأساقفة بطريركًا عوضًا عنه المطران غريغوريوس يوسف رئيس أساقفة عكا. وتوفي البطريرك المستقل برائحة القداسة في ١٣ حزيران ١٨٨٢

غريغوريرس يوسف وبناء المدارس والكنائس وتنظيم الأبرشيّات

كان البطريرك غريغوريوس يوسف (١٨٦٤-١٨٩٧) من كبار أحبار الطائفة الملكيّة ومن أنشط بطاركتها. وُلد في الرشيد في مصر سنة ١٨٢٣، ودخل دير المخلص، فأرسلته الرهبانية المخلصية إلى رومة ليكمل فيها ثقافته الدينية، فدرس في معهد القديس أثناسيوس، ورسم كاهنًا سنة ١٨٥٢ ثم مطرانًا على عكا سنة ١٨٥٦. ولما استقال البطريرك أكليمنضوس بحّوث انتخبه الأساقفة بطريركًا على الطائفة الملكيّة في ٢٩ أيلول ١٨٦٤

اهتّم في أول عهده بإصلاح شؤون المدارس، فأسَّس المدرسة البطريركيّة في بيروت (١٨٦٥)، ثم عُني بتجديد مدرسة عين تراز الإكليريكية (١٨٦٦) والمدرسة البطريركيّة في دمشق (١٨٧٥) وأسَّس مدرستين، الواحدة في القاهرة والأخرى في الإسكندرية. وبنى ما يُنيف على عشرين كنيسة، منها الكاتدرائيةُ في الاسكندرية، ورسم ستة عشر أسقفًا، وأعاد تأسيس أبرشيتي بانياس مرجعيون (١٨٨٦) وطرابلس (١٨٩٧) وحصل من الحكومة الفرنسيّة (١٨٨٩) على كنيسة القديس يوليانوس الفقير في باريس، وخصَّصها للجالية الملكية.

واشترك سنة ١٨٩٣ في حفلات المؤتمر القربانيّ الذي أُقيم في القدس، ونال بعده من البابا لاون الثالث عشر الولاية الكنسيّة على جميع أبناء الطائفة الملكيّة في الدولة العثمانية. وفي عهده تأسَّست في القدس مدرسة حنة الإكليريكية المعروفة بالصلاحيّة (١٨٨٢) بالاتفاق مع الكردينال لافيجري مؤسس جمعية الآباء البيض. وقد أنجبت هذه المدرسةُ عدة أساقفة وعددًا وافرًا من الكهنة العلمانيّين والرهبان.

وكان البطريرك شديد التمسك بمعتقده الكاثوليكيّ، وكثير الحرص على الامتيازات البطريركية. وحضر سنة (١٨٦٩-١٨٧٠) المجمع الفاتيكاني الأول مع ثمانية من أساقفته. وألقى فيه عدّة خطابات هامّة، دافع فيه دفاعًا حارًّا عن مفهوم الكنيسة في التقليد الشرقيّ، حرصًا على ألّا يتّسع الصدع القائم بين الكنيسة الرومانيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة، وانضم إلى معارضي تحديد العصمة الباباوية. وفي آخر الأمر قبل قرارت المجمع بكل خضوع، إلا أنه طلب أن تحفظ سالمة جميع حقوق البطاركة وامتيازاتهم. وتوفي في ١٣ تموز ١٨٩٧

بطاركة النصف الأول من القرن العشرين

وارتقى السُدة البطريركية بعده بطرس الرابع الجريجيريّ (١٨٩٨-١٩٠٢) مطران مرجعيون. فكانت بطريركيته القصيرة مضطربةً فلم تسمح له الظروف بأن يحقق المشاريع الجليلة التي كان ينوي تحقيقها.

  وخلفه البطريرك كيرلس الثامن جحا (١٩٠٢-١٩١٦) مطران حلب. وفي عهده تأسَّست سنة ١٩٠٣ جمعية الآباء المرسلين البولسيين بسعي المطران جرمانوس معقَّد. وفي اثناء أسقفيته أنشأ المدرسة الأسقفية في حلب والجمعية الخيرية. وافتتح إرسالية السودان (١٩١٢)، وفي آخر أيامه اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكان آنذاك في مصر، فأقيم المطران ديمتريوس قاضي، متروبوليت حلب، وكيلًا بطريركيًا. وتوفي في مصر في ١٠ كانون الأول ١٩١٦

وخلفه المطران ديمتريوس الأول القاضي (١٩١٩-١٩٢٥) وهو دمشقيّ الأصل ومطران حلب. أنشأ عدة مدارس وكنائس في دمشق وشرقيّ الأردن والقاهرة، وبنى دارًا بطريركية في الإسكندرية، وتوفي في ٢٥ تشرين الأول ١٩٢٥ أثناء ثورة الدروز. وارتقى السُدّة البطريركية بعده كيرلس التاسع مغبغب (١٩٢٥-١٩٤٧) مطران زحلة. سافر إلى أوروبا وأميركة أثناء أسقفيته، لجمع التبرّعات وإصلاح شؤون أبرشية زحلة. ولما عاد إليها قاوم الماسونية مقاومةً شديدة. وفي عهد بطريركيته تجدَّدت أبرشية شرقِ الأردن (١٩٣٢)، وتأسَّست جمعيّة راهبات سيدة المعونة الدائمة (١٩٣٦) واتخذت الراهبات المخلصيّات المرسلات (١٩٤٠) والراهبات الشويريّات المرسلات شكلًا جديدًا (١٩٤٥). وقد اشتهر البطريرك كيرلس بالبناء، فبنى أكثر من أربعين كنيسة ومدرسة ودارًا للكهنة. وتوفي في ٨ أيلول ١٩٤٧

البطريرك مكسيموس الرابع صائغ (١٩٤٧-١٩٦٧)

هو حلبي الأصل، ومن جمعية الآباء البولسيّين وخرّيجي مدرسة القديسة حنة الإكليريكية بالقدس كان متروبوليت صور من ١٩١٩ حتى ١٩٣٣، ورئيس أساقفة بيروت من ١٩٣٣ حتى سنة ١٩٤٧، وفيها انتخبه مجمع السادة الأساقفة بطريركًا على الطائفة الملكية.

في عهده انتعشت أبرشية شرق الأردن ، وأبرشية القدس البطريركية، وتحسَّنت أحوال أبرشية دمشق البطريركيّة، وتأسّست أبرشيةُ اللاذقية (١٩٦١) واهتمَّ البطريرك اهتمامًا شديدًا بالحركة المسكونية، وتمسّك بالتقاليد والحقوق والطقوس الشرقية، واشترك مع أساقفة البطريركية في المجمع الفاتيكانيّ الثاني، وقام فيه بدور هامّ لفت إليه أنظار الأساقفة الملتئمين، فدافع عن الحقوق والامتيازات البطريركيّة وعن الكنيسة الشرقية جمعاء. ومن أهم أعماله عقد مجمع القاهرة سنة ١٩٥٨، وفيه أوضح وجهة نظر الطائفة الملكيّة في التشريع القانوني الجديد، وفي عهده درجت العادة على أن يعقد السينودس المقدس اجتماعه كل سنة. قام بزيارات كثيرة إلى أنحاء أوربا وأمريكا وأهمها زيارته التاريخية للبطريرك أثيناغوراس في القسطنطينية حزيران ١٩٦٤. وتوفي في ٥ تشرين الثاني ١٩٦٧.

البطريرك مكسيموس الخامس حكيم (١٩٦٧-٢٠٠١)

ولد في طنطا (مصر) عام ١٩٠٨. ومارس نشاطه الكهنوتيّ في القاهرة من عام ١٩٣٠ إلى ١٩٤٣. وساس أبرشية عكّا وحيفا من حزيران ١٩٤٣ حتى تشرين الثاني من عام ١٩٦٧. وفي عهده حلّت النكبةُ بفلسطين، وتشرّد أبناء كنيسته في الجليل. فاعتنى بشؤون اللاجئين وأعاد تنظيم الأبرشية، ليثبّت الذين صمدوا في الوطن. أُنتخب بطريركًا في ٢٢ تشرين الثاني ١٩٦٧، وأدار كنيسته بحكمة في هذه الحقبة المضطربة. أتمّ عام ١٩٧٧ بناء الصرح البطريركيّ في الربوة (لبنان)، وفيه مقرُّ الإكليريكية البطريركية الجديدة التي عُني بتنظيمها، بعد أن أُغلقت إكليريكية القديسة حنة في القدس عقب حرب ١٩٦٧. وقام بمشاريع عمرانيّة هامّة في مختلف أنحاء البطريركيّة. بذل جهدًا كبيرًا لإعادة السلام إلى لبنان أثناء الحرب الأهليّة التي اندلعت عام ١٩٧٥، ونُكبت أثناءها بشكل خاصّ أبرشيّات الجنوب وجزء كبير من أبرشيّة بيروت، فجنّد، كل طاقات كنيسته لإعانة المهجّرين. بذل اهتمامًا كبيرًا بأوضاع الروم الكاثوليك خارج الشرق، وقد ازدادت هجرتهم إثر الأحداث الأخيرة، فكرّس الكثير من وقته لزيارة جالياتهم. وفي عهده نشأت أبرشيّات خارج الشرق في كلٍّ من الولايات المتحدة والبرازيل وكندا وأستراليا والمكسيك وفنزويلّا. وتابع جهود سلفه في الدفاع عن حقوق الكنائس الشرقيّة وامتيازاتها.

وقدم البطريرك حكيم في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني من عام ٢٠٠٠ استقالته الى السينودس المقدس بسبب شيخوخته وضعف قوته وبعد قبول اباء السينودس استقالته انتخبوا خلفا له البطريرك الحالي غريغوريوس الثالث لحام، وتُوفّي في ٤ تموز ٢٠٠١.

البطريرك غريغوريوس الثالث لّحام (٢٠٠٠-)

مراجعة القسم الخاص بسيرة حياة صاحب الغبطة. 

 

الأوضاع الحاليّة

للروم الكاثوليك ثلاث أبرشيّات متعلّقة مباشرة بالبطريرك وهي كراسي بطريركيّة: أبرشيّة دمشق في سوريا، وأبرشيّة القدس جنوبيَّ فلسطين، وأبرشيّة مصر.

وهناك ثلاثة عشرة أبرشيةً في الشرق عائدة للأساقفة المحليّين، أربعٌ منها في سورية: حلب وحمص وحوران واللاذقية، وسبعٌ في لبنان: بيروت وصيدا وزحلة وبعلبكّ وصور وطرابلس ومرجعيون، وأبرشية حيفا والناصرة شماليّ فلسطين، وأبرشية عمان في المملكة الأردنية. وستّ في بلاد الاغتراب: الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وكندا وأستراليا والمكسيك وفنزويلّا كما لهم نيابات بطريركية في كلّ من بغداد والكويت والخرطوم وإسطنبول، متعلّقة مباشرة بالبطريرك. وثمّة مراكزُ رعويّة في الاغتراب: في الأرجنتين وباريس ومرسيليا وبروكسيل وروما. ولهم أربع جمعيات رهبانيّة أو إرساليّة للرجال، وخمس رهبنات للنساء.

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك