عدد الزيارات : 3308
المقالات الأخلاقية 14 تشرين ثاني 2015

الاخصاب الاصطناعي

 الأب رافي حلاوة


لقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، وباركه وأعطاه القدرة على النموِّ والتكاثر، عندما خلقه ذكرًا وأنثى. إنَّ دعوة الله للرجل والمرأة المتزوجَين، هي دعوة للاتِّحاد بكلِّ أبعاده الروحيَّة والنفسيَّة والجسديَّة. وفي صميم الدعوة إلى الاتحاد بحبٍّ زوجي متبادل، تبرز دعوة الله للزوجين، لمشاركته عملية الخلق، أي إنجاب الأولاد. والولد كونه عطيَّة وهبة من الله، فهذا يعني أنَّ إنجابه يجب أن يكون ثمرة لعطاء زوجي متبادل على صورة هذا العطاء الإلهي. فرغبة الزوجين في إنجاب الأولاد، هي رغبة تقع في صميم علاقتهما الزوجيَّة، ومن ثمَّ، فغياب هذه الإمكانيَّة، غالبًا ما يسبّب لهما عذابًا وألمًا عظيمين. هذا ما نجده في الكتاب المقدّس عند ابراهيم (تك ١٥/٢)، وراحيل وزوجة يعقوب (تك ٣٠/١)، أمام مواجهة الزوجين لمشكلة العقم، وعدم القدرة على الإنجاب، ماذا عليهما أن يفعلان؟

واليوم مع تطوّر الأبحاث الطبِّية، والوصول إلى وسائل وتقنيات، تتيح إمكانية إنجاب الأولاد اصطناعيًّا؛ رأى البعض في هذا التطوّر حلاًّ لمشكلة الأزواج اليائسين بسبب عدم الإنجاب، وتحقيقًا لرغبات الإنسان في الاستقرار والسعادة.

تتعدّد طرق الإخصاب الإصطناعية إلى نوعين أو ثلاث، إلاّ أنّها تشترك في نقطة أساسيَّة وهي كونها تؤدّي إلى إنجاب ولدٍ، ليس ثمرة للجماع الزوجي. أمام تزايد استخدام هذه التقنيات الطبِّية للحصول على الأولاد، تحاول الكنيسة الكاثوليكية إعطاء موقفٍ لاهوتي واضحٍ منها... فما هو هذا الموقف؟ وهل من مواقف لاهوتية أخرى، تختلف في نظرتها عن موقف الكنيسة الكاثوليكية؟

أولًا- البعد الإنساني للإنجاب والألم الناتج عن العقم الزوجي

من علامات الحب بين الزوج والزوجة، الرغبة في الاشتراك في خلق ولدٍ، يكون ثمرة لحبِّهما المتوّج بالعلاقة الجنسيَّة الزوجيَّة... فهذه الرغبة تعبير عن الدعوة إلى الأبوّة والأمومة المغروزة في الحبِّ الزوجي. ومن علامات الفرح في حياة المرأة، الرغبة في أن تصبح حاملًا، فتشعر بأنّ حياتها قد تبدّلت كليًّا، سواء على الصعيد الفيزيولوجي أو على الصعيدين النفسي والاجتماعي. وتتجلّى الرغبة في الإنجاب، في بحث الزوجين عن نوعٍ من الإستمراريَّة الجسدية، في التعبير عن صراع الإنسان مع الموت. وبعد الحصول على الولد، يتفجّر في داخل الزوجين، حب التدرّب على التربية. هذه الرغائب مجتمعة تعبّر عن أهميَّة الطفل ومكانته في الأسرة.

من هذا المنظار، ينبغي أن نفهم واقع معاناة الأسر التي تُحرم من إنجاب الأولاد وتتشبث بالوسائل الطبية لتحقيق مبتغاها. واستجابةً لرغبة الإنجاب، يسعى بعض الأزواج إلى طرق تتعارض مع كرامة الولد وطبيعته، فيعتبرون بأن الولد مادة للتملّك، قادرة على تحقيق سعادتهم، فيصبح العقم في هذه الحالة مصدرًا للألم والمعاناة، وقد تؤدّي هذه الحالة إلى فقدان الحياة الزوجية لقيمتها. إزاء واقع المعاناة بسبب الحرمان من إنجاب الأولاد، ومع غياب النوافذ الإيمانية عن البيت الزوجي، يلجئ الزوجان إلى الطرق الاصطناعية الكفيلة بتحقيق رغبتهما، وإدخال السعادة إلى قلبيهما.

ثانيًا: أنواع الإخصاب الإصطناعي، والموقف اللاهوتي الأدبي الكنسي منها

يُعرّف الإخصاب الإصطناعي، بأنّه "مختلف الأساليب التقنية، الهادفة إلى الحصول على حبلٍ بشري بطريقة غير الجُماع الجنسي بين الرجل والمرأة. وهذا ما يتمّ بواسطة إخصاب البويضة في الأنبوب، والزرع الإصطناعي بنقل السائل المنوي المجموع سابقًا إلى أعضاء المرأة التناسلية"[١]. أمّا أنواعه فهي:

١- الإخصاب الإصطناعي المتجانس

هو "الأعمال التقنيّة، التي تهدف إلى الحصول على حبل بشري انطلاقًا من مشائج الزوجين المتحدين برباط الزواج وهي تتم بطريقتين:  

الطريقة الأولى: الإخصاب المتجانس في الأنبوب ونقل الجنين: عملية تهدف إلى الحصول على حبل بشري بالتقاء مشائج الزوجين في الأنبوب.

الطريقة الثانية الزرع الاصطناعي المتجانس. عملية تهدف إلى الحصول على حبل بشري بنقل السائل المنوي للزوج المأخوذ سابقًا إلى أعضاء الزوجة التناسلية"[٢].

الموقف اللاهوتي الأدبي الكنسي من الإخصاب الاصطناعي المتجانس

تقرّ الكنيسة بمشروعية رغبة الزوجين المصاب أحدهما بالعقم في الإنجاب، كما تقرّ بصوابية عاطفة الحبِّ المتبادل بين الزوجين، لكنّ الكنيسة تميّز في منظارها الأخلاقي بين سلامة النيّة وصوابيّتها وبين اللجوء إلى الوسائل لتحقيقها. فليست كلّ الوسائل شرعية أخلاقية، لتحقّق رغبة الزوجين في إنجاب الأولاد.

تؤكِّد الكنيسة في تعليمها على "الوثاق الذي لا ينحلّ والذي أراده الله بين معنيي الجماع الزوجي أي الوحدة والإنجاب. وليس للإنسان أن يقطعه من تلقاء ذاته"[٣]. فالفصل بين الفعل الجنسي وعملية التلقيح، تعتبره الكنيسة أمرًا يعاكس وحدة المسار الذي يؤدّي إلى الإنجاب. فالشجب موجّه ليس ضدّ الحب الزوجي ولا ضدّ رغبة الإنجاب، لأنّ الكنيسة تعترف بأنّ الإخصاب الاصطناعي المتجانس يحافظ في حدّه الأدنى على وحدة الزواج، لأنَّنا في إطار علاقة الزوجين. إنَّما الشجب أو التحريم الأدبي موجّه مباشرةً ضدّ الوسيلة الاصطناعية، التي تسبّب الفصل بين معنيي الزواج، أي السعي إلى إنجاب ولدٍ ليس ثمرةً لعمل الاتّحاد الزوجي؛ ذلك لأنَّ الكنيسة تؤكّد على وحدة الكائن البشري جسدًا ونفسًا وروحًا.

أمّا السبب الثاني لرفض الكنيسة للإخصاب الاصطناعي المتجانس، فهو عمليّة إتلاف البويضات الملقحة الفائضة، أي قتل أجنّة بشرية، أي ممارسة الإجهاض. أو يمكن أن تستخدم هذه البويضات الفائضة للأبحاث العلمية، كأدوات بيولوجيّة، لا ككائنات بشرية لها حقّ الحياة. السبب الثاني يعني أنَّ "الإنسان يجعل ذاته واهب الحياة والموت حسب الطلب"٥ .

هناك سبب ثالث لرفض الكنيسة للإخصاب الإصطناعي، وهو الحصول على زرع الرجل بغرض التلقيح الإصطناعي؛ ولذلك ففي هذا المجال، ترفض العادة السريّة وإن تمت بقصد الإنجاب، إلاَّ أنّها تظلّ فاقدة لمعناها الموحّد، إذ "تنقصها العلاقة الجنسيّة التي يطلبها النظام الأدبي، والتي تحقّق في إطار الحب الحقيقي المعنى الشامل للعطاء المتبادل والإنجاب البشري"[٤]  

٢- الإخصاب الإصطناعي المختلف

"هو كلّ الأعمال التقنية الهادفة إلى الحصول بطريقة اصطناعية، على حبل بشري انطلاقًا من مشائج يهبها إنسان آخر غير الزوجين المتّحدين برباط الزوجين. هذه التقنيات قد تكون على نوعين:

النوع الأول: الإخصاب الاصطناعي المختلف في الأنبوب ونقل الجنين: عملية تهدف إلى الحصول على حبل بشري بالتقاء المشائج في الأنبوب، التي أخذت أقلّه من إنسان واحد غير الزوجين المتحدين برباط الزواج.

النوع الثاني: الزرع الاصطناعي المختلف: عملية تهدف إلى الحصول على حبل بشري، ينقل السائل المنوي الذي أخذ سابقًا من رجل غير الزوج إلى أعضاء المرأة التناسلية"[٥].

الموقف اللاهوتي الأدبي الكنسي من الإخصاب الاصطناعي المختلف:

كلّ كائن بشري يجب استقباله كهبة وبركة من الله. فكلّ إنجاب مسؤول من الوجهة الأدبية يجب أن يكون ثمرة للزواج، ولذلك فالحصول على طفل من رجل غير الزوج لا يمكن تبريره بأيِّ شكل من الأشكال، لأنَّ "إنجاب شخص جديد يشارك فيه الرجل والمرأة قدرة الخالق، يجب أن يكون ثمرة عطاء الزوجين الشخصي وعلاقة حبّهما وأمانتهما"[٦]. فإذا تدخّل شخص ثالث مختلف غير الزوجين، هو نقص لوحدة الزواج "الإثنان يصيران جسدًا واحدًا" (١ف٥/٣٠)، فالوحدة لا تقبل شريكًا آخر.

إن تدخّل شخص ثالث هو علامة وتعبير عن الخيانة الزوجيّة: "فاللجوء إلى مشائج شخص ثالث للتصرّف بالمنوي أو البويضة، يشكّل خرقًا لالتزام الزوجين وانتقاصًا خطيرًا من وحدة الزواج وهي إحدى حلاه الأساسيةّ"[٧]. من ناحية أخرى فإنَّ هذا النوع من الإخصاب يفترض تعاملًا مع ولد معروف مسبقًا بأنَّه ليس ثمرة الاتحاد الزوجي... ومن الناحية النفسية قد يتعرّض أحد الزوجين الذي هو عقيم إلى تساؤل ونوع من الأزمة النفسية، وعندما يعتبر أنَّ الولد ليس منه بل من شريكه فقط. في العمق هناك ضرب للمساواة بين الزوجين. ومن ناحية ثالثة فإنَّ انتماء الولد الثابت إلى والدين، يعترفان ببنوَّته، يساعد الولد على اكتشاف هويَّته ونضوجه إنسانيًا، وبالتالي يساعده على بناء شخصية سليمة، وهذا ما ينعكس على خير الولد والوالدين، أي ينعكس على دور الولد والوالدين الإنساني اتجاه المجتمع، وبالتالي ينعكس الأمر على خير المجتمع المدني.

الأمومة بالنيابة

وهي تعني: ١) المرأة التي تحمل جنينًا مزروعًا في رحمها ولا يخصّها إذ هو نتيجة إلتقاء مشائج وهبها أشخاص آخرون، مع الإلتزام بإعادة الطفل، بعد أن يولد إلى الشخص، الذي طلب عملية الحمل هذه واشترطها.

٢) المرأة التي تحمل جنينًا ساهمت في إنجابه ببويضتها التي أخصبت، عن طريق الزرع الاصطناعي، بمنوي شخص آخر غير زوجها مع الإلتزام بإعادة الطفل، بعد أن يولد، إلى الشخص الذي طلب عملية الحمل هذه واشترطها"[٨].

الموقف اللاهوتي الأدبي الكنسي من الأمومة بالنيابة:

بما أنَّ الأمومة بالنيابة تتعلق بفترة الحمل، فلننطلق من المعطيات التي تتعلَّق بفترة الحمل، المعطيات النفسيّة والعلميّة. تعتبر فترة الحمل هامة في حياة الجنين، فالجنين يتأثّر بالمرأة التي تحمله، ممَّا يخلق علاقة إنسانية وطبيعية عميقة بين الجنين والمرأة التي تحمله؛ هذا الأمر يسبّب آثار نفسية على الجنين، تستمرّ في حياته ولا تمحى. وهكذا لا يمكن فصل هذه الفترة من حياة الولد (فترة الحمل) عن بقيّة المراحل اللاحقة لحياة الولد... ونتيجة لذلك فالأمومة، تبدأ من لحظة البويضة المعدّة للتلقيح وتمر بفترة الحمل وتكتمل في الولادة، وتتواصل في التربية والرعاية والاهتمام بحياة الولد، ولذلك فصل هذه المراحل الواحدة عن الأخرى هو ضرب لمفهوم الأمومة وانتقاص لقيمتها.

إذًا مفهوم الأمومة بالنيابة يخلق فصلًا بين الأم والولد، بسبب تدخّل الإمرأة الحاملة للجنين، كما أنَّ تدخّلها يضرب مفهوم الأمومة، التي تأتي نتيجة العلاقة الحصرية بين الزوجين.

وهكذا فالموقف الكنسي يرى بعدم جواز الأمومة بالنيابة مطلقًا "لأنَّها تناهض وحدة الزواج وكرامة الإنجاب البشري، وتخرق التزامات الحبّ الأمومي والأمانة الزوجيّة والأبوّة المسؤولة، وتنشأ انقسامًا على حساب الأسرة بين عناصرها الجسدية والنفسيّة والأدبيّة"[٩].

ثالثًا- موقف لاهوتي آخر من الإخصاب الإصطناعي:

هناك بعض اللاهوتيين، الذين يوافقون وثيقة "الحياة هبة الله" فيما يتعلّق بالإخصاب الإصطناعي المختلف، لكنّهم يقفون موقفًا مغايرًا للوثيقة، فيما يتعلّق بالإخصاب الإصطناعي المتجانس، فينتقدون السبب اللاهوتي الذي ترتكز عليه، وهو الفصل بين معنيي الزواج، أي الجماع الزوجي وإنجاب البنين، ويتّضح موقفهم اللاهوتي من خلال ما يلي:

١- منهج لاهوتي تقليدي

إنَّ طريقة التحليل اللاهوتي، التي تتبعها الوثيقة، هي طريقة تقليدية في اللاهوت الأدبي الكاثوليكي، فللحكم على القيمة الأدبية للعمل البشري، لا تنظر إلاّ إلى العمل في ذاته، من هنا للحصول على طفل أنبوبي متجانس، تحكم على العمل بحد ذاته.

٢- منهج لاهوتي آخر

يرفض تجزئة الأعمال إلى أقسام مستقلة بحيث يُصدر الضمير الأدبي حكمه على كلِّ قسمٍ بمعزل عن الأقسام الأخرى. استنادًا إلى هذا التفكير، فإنّ عملية الإخصاب الاصطناعي المتجانس في الأنبوب ونقل الجنين ليست عملًا مستقلًا في ذاته، فترفض بحجّة أَّنها تفصل بين الجماع الزوجي وإنجاب البنين، بل هي جزء يتضمَّن أفعالًا متعدّدة:

منها حبّ الزوجين أحدهما للآخر، ورغبتهما في مشاركة الله في الخلق بالحصول على طفلٍ يكون طفل كلّ منهما ونتيجة حبّ أحدهما للآخر، ونتيجة كل الأفعال الزوجيّة، التي تسبق عملية الإخصاب الإصطناعي وتلحقها.

٣- الغاية والوسيلة المناسبة للغاية

هذا الموقف اللاهوتي المختلف عن الموقف الكنسي، يحوي إمكانية الوصول إلى مبدأ "الغاية تبرّر الوسيلة"، ولذلك يشترط اللاهوتيين المعبِّرين عنه، بألاّ يكون تناقض جذري بين الوسيلة المستعملة والغاية المتوخاة.

من هنا يرفض هؤلاء اللاهوتيين، الإخصاب الاصطناعي المختلف، لأنَّه يناقض الغاية، التي هي الحصول على طفل من الرجل والمرأة المرتبطين بالزواج. والقبول به، هو في الواقع قبول بالزنى وتفكيك للأسرة والزواج. كذلك لا يمكن القبول بقتل الأجنّة البشرية الناتجة عن الإخصاب الاصطناعي، لأنَّ هناك تناقضًا جذريًّا بين الوسيلة (قتل الأجنة البشرية) والغاية (الحصول على جنين حي)، أمّا إذا توصل الطب إلى إخصاب أنبوبي من الزوجين دون قتل لأجنّة بشريّة، فهذا يعتبر منسجمًا مع مجمل الأعمال الهادفة إلى الحصول على طفل، يكون طفلًا للزوجين وثمرة حبهما المتبادلة.

وفي هذه الحالة يقبل الاستمناء، الذي يعتبر عملًا شاذًا في ظروف أخرى، لأنّه هنا يتّخذ قيمته من مجمل الأعمال التي تندرج ضمنها.

٤- وسيلة استثنائية لوضع استثنائي في عالم محدود

إنَّ السماح بالإخصاب الإصطناعي المتجانس في الأنبوب، ونقل الجنين، لا يعني اعتبار هذه العملية هي الوسيلة الفضلة لإنجاب البنين، بل يعني فقط القبول به كوسيلة استثنائية لوضع استثنائي في عالم محدود يشوبه النقص في كثير من جوانبه.

لا يرى هذا الموقف اللاهوتي، في مجمع العقيدة والإيمان تزمّتًا ورجعية، بل يرى في الوثيقة التي أصدرها، ضرورة لمنع الانفلات الأخلاقي، والمحافظة على كرامة الشخص البشري، وكرامة العلاقات الزوجية الطبيعية ضمن الزواج المقدّس.

خاتمة

ترتكز الكنيسة في رسالتها الإنجيلية على مبدأ أساسي، وهو خدمة تجسيد المحبَّة في واقع الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله، والمخلّص بدم الرب يسوع المسيح، رأس الكنيسة ومؤسِّسها. لذلك لا ترفض الكنيسة التدخلات الاصطناعية لكونها اصطناعية، ولكن تقيِّمها وترفضها إذا رأت أنّها لا تتوافق وكرامة الإنسان كشخص وخليقة الله. لا شكَّ أنَّ التلقيح الاصطناعي بطرقه المتعدّدة: المتجانس، المختلف، أو حالة الأمومة بالنيابة، قد يحمل لمن يلجئ له – ويحصل على نتيجة إيجابية – بعد الفرح والمعنى الجديد لحياته... ولكن هل يكفي النجاح العلمي وتحقيق الرغبة الزوجيّة في الإنجاب، لجواز العمل أخلاقيًا؟

إنَّ الموقف الذي تقفه الكنيسة في الإخصاب الاصطناعي المختلف وحالة الأمومة بالنيابة، تقف معها وكما وجدنا في دراستنا الآراء اللاهوتية الأخرى، من حيث أنّه يعتبر انتهاكًا لخاصيّة أساسية للزواج المسيحي، ألا وهي وحدة الزواج. أمّا اختلاف بعض الآراء عن موقف الكنيسة بشأن الإخصاب الاصطناعي المتجانس، فمردّه إلى نظرة شاملة للإنسان، تنظر إلى علاقة الرجل والمرأة بكل أبعادها وغاياتها، فعندما لا تتعرّض هذه العلاقة لما يسيء إلى خيور الزواج وخصائصه تقبل به. فالكنيسة تبغي خير الإنسان، وتنفتح على كلّ تطوّر لاهوتي، يؤول إلى ذلك، طبعًا مع عدم التغافل عن حقيقة الإنسان في ارتباطه بالخالق، وكونه كائنًا بشريًا واحدًا بجسده ونفسه وروحه، والزواج وثاق حبّ ووحدة لا ينفصم على مثال وحدة المسيح والكنيسة... هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية، أن لا يجعل من تقدّم العلوم ومنها التقدّم الطبي في مجال الإخصاب الاصطناعي سببًا لمزيد من الانتهاك لحقوق الإنسان، فتصبح هذه التقنيات مجالًا للتجارة والابتزاز، وتعميق الهوة بين الطبقات الاجتماعية والشعوب الغنية والفقيرة.

وأخيرًا نقول: تسمح الكنيسة بكلِّ الوسائل الاصطناعية، التي تسهّل إمكانية الإنجاب بالطريقة الطبيعية، وبالتالي تشجّع الأبحاث العلمية، التي تتجاوب مع خير الإنسان وسعادته، ولكن مع هذا كلّه، فإنَّ الكنيسة وفي حاله العقم، الذي لا تمكن معالجته، تدعو الزوجين إلى عدم فقدان معنى الحياة الزوجية، بل الاشتراك في صليب الربّ يسوع، ينبوع كلّ خصب روحي، وهذا ما يمكن أن يعبّر عنه بأشكال مختلفة من الخدمات كالتبني ومساعدة فقراء أو معاقين... الخ.

المراجع

١_ بسترس، كيرلس سليم (المطران)."طفل الأنبوب تجاوز من العلم أم هبة من الله"، مقالات في الأخلاق والحياة المسيحيّة، سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، ٢٦، منشورات المكتبة البولسيّة، جونيه، طبعة أولى، ص٣١_٤٢.

٢_ بو عبدو، سمعان (الأب)، "موقف الكنيسة من الإخصاب الإصطناعي"، مؤتمر أخلاقيات علم الأحياء، المجلة الكنهوتية، منشورات الرابطة الكهنوتية، طبعة أولى، ١٩٩٧، ص ٨٨-٩٣.

٣_ خواجة، وهيب (الأب)، "الإخصاب الإصطناعي"، محاضرة في مادة الجنس والزواج والعائلة، كلية اللاهوت الحبرية بجامعة الروح القدس، الكسليك، ٢٤/٥/٢٠٠١.

٤_ معلوف، جوزيف (الأب)، "الولادات الناجمة عن تدخّل الطب وبعدها الأخلأقي"، الأخلاق والطب، دراسات أخلاقية، المنشورات المكتبة البولسية، جونيه، طبعة أولى، ١٩٩٧، ص ١٤٣-١٥٢.

٥_ مجمع العقيدة والإيمان، "مداخلات في الإنجاب البشري"، الحياة هبة الله، ١٩٨٧، ص ٣٠-٥٠.

 



[١]  مجمع العقيدة والإيمان، الحياة هبة الله، ص. ٣٠.

[٢]  المرجع السابق، ص ٣٢.

[٣]  المرجع السابق، ص ٣٧.

[٤]  مجمع العقيدة والإيمان، الحياة هبة الله،ص ٤٦.

[٥]  المرجع السابق، ص ٣٧.

[٦]  بسترس، طفل الأنبوب تجاوز من العلم أم هبة من الله؟، ص ٣٥.

[٧]  مجمع العقدية والإيمان، الحياة هبة الله، ص ٣٥.

[٨] المرج السابق، ص ٣٦.

[٩] بسترس، طفل الأنبوب تجاوز من العلم أم هبة من الله، ص٣٦.

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك