عدد الزيارات : 990
المقالات الرعوية 16 تشرين ثاني 2015

التقوى الشعبية بين الحقيقة والخيال

 

 قبل الكلام على التقوى الشعبية، نريد أن نحدد الحياة الليتورجية الكنسية، التي هي شعائر العبادة ضمن ممارسة صحيحة لأسرار الدين المسيحي، في عيش الحياة الدينية، ضمن العبادة المرسومة من المؤسسة الدينية الرسمية التي نسميها الكنيسة الرسولية؛ هذه الكنيسة التي حافظت على تقاليد الرسل وخلفائهم ورسمت الشعائر التي ترافق ممارسة الأسرار وشبه الأسرار، في مسيرة شعب الله المقدس.

ومقابل هذه الحياة الليترجية يمكننا التكلم على التقوى الشعبية، باعتبارها ممارسة شعائر في العبادة الشعبية، تختلط فيها الخرافة والأسطورة، وقد دخلت في الممارسات الدينية بطريقة أو بأخرى.

ونلاحظ بدايةً، أنه في المدن الصناعية الغنية، لا سيما تلك التي ننعتها بالمدن الشمالية الصناعية والغنية بالثروات المعدنية، فإن الممارسة الشعبية لِما يمكن أن نسميه التقوى الشعبية قد انحصرت في أطر الجماليات والفن والفلكلور الموسمي، فلقد أبقت على ذكرى ما كان يُمارس في حياة المؤمن الدرويش البسيط، ولكنها بالفعل نفسه تذكّر بأن هذه الممارسات أصبحت في حيّز الماضي.

وانطلاقًا مما تقدم نريد أن نتحدث عن إطار محدود في التقوى الشعبية، ونختصر الوجوه العامة للتدين الشعبي في ثلاثة مظاهر:

١-  الدين على المستوى الكنسي، أو بحسب ما تمارسه المؤسسة الممثلة في إطارها الرسمي.

٢-  ممارسة ثقافية تستدعي أحيانًا الطابع الديني الرسمي ليساندها، ولكن مثل هذه الممارسة هي من ممارسة النخبة التي لا تعير هذا التمثيل أهمية إلاّ بقدر ما يخدم مصالحها، وهي تعتبر ذاتها أرفع من العامة التي تُكوِّن الجماعة "المتدينة"، بينما النخبة تعتبر ذاتها أرفع من هذه الجماعات، ولا يتعدّى الدين أن يكون عندها واجبٌ اجتماعيّ، كما أن الأغراض القدسية المعروضة في بيت واحد من هذه النخبة تُعبّر عن بُعدٍ جمالي وتاريخي، أو تكون دليلاً الى الثراء ورفعة المستوى الثقافي، كأن يعرض واحدهم أيقونة من القرن الثامن عشر أو تمثالاً من معدنٍ ثمينٍ لولي من أولياء الديانات السماوية، أو تمثالاً لبوذا من العاج في منزلٍ لا علاقة له بالديانة البوذية أو الهندوسية ... فمثل هذه الأغراض القدسية، معروضة في زاوية أحد منازل الأثرياء، ليست محط عبادة بل هي فقط مؤشر يدل على مستوى الثراء أو الثقافة، أو هي دليل اجتماعي أو رمز اقتصادي لا غير.

٣-  الممارسات الشعبية أو ما نسمّيه بـ "التقوى الشعبية"، فيه ممارسات دينية صحيحة تختلط ببعض الشعوذات، وتتمازج فيها الضراعات الى الله بابتهالات وحركات غريبة عن الممارسات الدينية الصحيحة.

ونحن في حدود الكلام عن التقوى الشعبية، نتكلم على ممارسات شعبية يؤدّي فيها دور التدين أهمية كبيرة من نوع اختلاط الصحيح المؤسساتي مع الخرافي، وحيث الإيمان البسيط يترك مجالاً للتمازج بمعتقدات لا تمت الى صحّة الأسرار بصلة، ومثل هذا يجعل من بعض ممارسات التقوى الشعبية حركة مناهضة للدين الممثل بالمؤسسة الرسمية.

وينتقد الفلاسفة هذا الشكل من التقوى الشعبية على أنه قوة تجنح بمن يمارسها إلى التخلي عن المطالبة بالحقوق المشروعة، وتستبدل هذه المطالبة بتعزيات وهمية تُفضي إلى حالة من "الاغتراب" عن الواقع. وأما الكنيسة الكاثوليكية، فهي من جهتها أيضًا ترى في مثل هذا التدين، في بعض ممارساته، تمازجًا بين المسيحية وبعض شعائر الوثنية، كما أنَّ في بعض هذه الممارسات تجد تمازجًا خفيًا بين الشعوذة والسحر مع ما هو قدسي وأسراري وتدبير كنسي واسطة للخلاص الأبدي!

فمثلاً عوض أن يكون الله مطلقًا وأن يبقى غايةً أسمى نجده واسطة، من هنا الكلام عن الله- الواسطة، سدّ مسدّ، نضعه في كل ثغرة وكل سرّ لا يمكننا أن نشرحه أو نرتّبه في مرتبةٍ ما، فيكثر في كلامٍ مثل هذا: إن شاء الله، إذا سمح الله، هيك الله بدّه، لا سمح الله، بإذن الله، هكذا يريد الله لا سمح الله... الله يحفظك، اتكل على الله، الله معك... ومثل هذه العبارات نرددهما بطريقة عشوائية آلية كما صار اسم الله محط كلامٍ، مثل: كيف صحتك؟ والله بخير... ويستعمل هذا الاسم القدوس في كل كلمة من كلامنا... أو إذا حصل شرّ لأحد شمت به عدوه قائلاً: الله لا يرده... وليست المزامير في بعضها بعيدة عن بعض هذه الاستعمالات، فالمزمور التسعون هو مزمور تعزية وترد فيه عبارات مثل: لا ينعس ولا ينام حافظك، انه عن يمينك كيلا تتزعزع... وهذه العبارات تذكرنا بالتجربة التي جرّب بها الشيطانُ يسوعَ على الجبل: القِ بنفسك إلى أسفل... لأنه لا يكسر لك عظم، وجواب يسوع: لا تجرّب الرّبّ إلهك...

هنا تؤدّي صورة الله أدواراً مختلفة، تنـزل من تساميها لتصبح مراراً آلة، وهذا ما يجب تمييزه، الله في احترامنا القدسي يبقى الله، نتضرّع إليه ونترك كلّ شيء لمشيئته القدّوسة، ولكن عندما نذهب أكثر من ذلك لنجعل منه واسطة فعّالة حسب إرادتنا، تتغيّر الصورة القدسية.

ومن ضمن هذا المفهوم، فلنقل بين معكوفين، كثير من المواعظ تأخذ أشكالاً وثنيّة دون أن ندري، والله الذي هو الغاية من كل الغايات وأسماها يصبح واسطة رخيصة يؤثّر فيها الإنسان بمعطيات بسيطة، ونستغرب في بعض الأحيان عندما نصغي إلى كلام الموعظة من الصور الانثروبولوجية الناتجة من كلام بعض الوعّاظ، بحيث يصبح الإنسان غاية والله واسطته!

ولكن، من النقيض أيضًا عندما يصبح الدين خاضعًا لعقلنة المنطق والعلم، وهذا ما يجعل "المؤمن المتعقلن" يطلق الحكم المبرم والجذري على التقوى الشعبية على أنها مجرّد خرافات وخزعبلات العجائز، أو لعبة الأولاد القاصرين، وليس على البالغين والعارفين أن يأخذوها على محمل الجد.

وأكثر ما يختص بمثل هذا التديّن ما يطلق عليه حكم من نوع آخر، كأن يُرى بأنه خارج الزمان، عادة قديمة بالية، تخطّاه الزمان وطواه التاريخ، أو يبقى اعتباره على أنه مظاهر شعبية لا قيمة دينية له.

باختصار، ما بين هذه الأحكام الجذرية المستبقة تبقى التقوى الشعبية ذات قيمة، لها قدسياتها، ولا يجوز أن نحرم البسطاء من هذه الممارسات التي هي أقرب صورة إليهم من المجرّدات الفكريّة، ولكن لا يجوز أيضًا أن نقبلها مثلما هي دون أن نميّز فيها أبعادها الدينية والثقافية والسيكولوجيّة.

أولاً- تحليل وصفي للتدين الشعبي

١- ميزات التقوى الشعبية

ليس من السهل وصف التقوى الشعبية بطريقة شاملة ومقتضبة ودقيقة في آن معًا. فتقبُّل هذه الممارسات في الأذهان مختلف عن الواقع، وواقعها يختلف أيضًا من مكان إلى آخر، ولكن عبر الملاحظات المتكررة يمكننا أن نستنتج بأنها:

أ) ممارسات خاصّة بالطبقات الشعبية البسيطة.

ب) عبادات تتمازج كثيرًا مع عناصر هي عادات تقليدية وفولكلورية.

ج) عبادة تديّن الرجل الدرويش الذي لا يفهم من الدين إلاّ الأشياء البسيطة ويفتقر إلى أدنى معرفة لاهوتية أو دينية رصينة.

وعادةً فإن الفئة التي تعيش هذا التديّن تفتقر إلى المال والسلطة والمعرفة.

ثم، إننا نجد الحركات الطقسية أو الشارات الدينية تتمازج بممارسات خارج الإطار الديني: رسم إشارة الصليب بسرعة ومرّات متكررة مع ألفاظ وتسميات، وضع شيء معيّن في مكان معيّن في وقت متكرّر بشكل يصبح "سرًا" دون أن يمكن شرحه.

زد على هذا كله ميزة خاصّة، فالشعب الذي يريد أن يعبّر عن عاطفته الدينية بعبارة "مغايرة"، يعني غير العبارة الكنسية الرسمية، فلأنه يشعر ذاته قد استُبعِدَ عن العناصر الاجتماعية الثلاثة المذكورة آنفًا: النفوذ أو التأثير، والمال والعلم. فهو قد أصبح "مغايرًا" ويحاول أن يجعل "مغايرةً" هذه الممارسة التي تختصّ به، ويريد أن يختصّها عبر تحميلها صورة خاصّة ومغايرة للصورة التي تعتمدها الجماعة العامة صاحبة النفوذ والعلم والمال، من هنا ما نسمّيه "تمازجًا"، هو أحيانًا فقط "مغايرة"، محاولة التعبير هذه عن الذات، بطريقة مغايرة، في صفاتها الدينية وعواطفها الروحيّة، كأنها تعبّر، بأن هذه الطبقة الشعبيّة التي لا تملك شيئًا، تريد أن تعوّض عن عجزها المادي والمعنوي بما تختصّه في التقوى الشعبية.

إنّ ثمّة قناعات مبطّنة ودفينة عند بعض الجماعات والحركات التبشيرية لتصبح عبر هذه المظاهر التي "تكسر أطر المعتاد"، تصبح معروفة لا وزنها وتبرز على أنها قوّة من مصدر الضعف، لتنتقم من الأقوياء وتخضعهم لممارساتها.

وتختلف مظاهر الحياة في عاديتها العمليّة وأعيادها من الطبقة البرجوازية إلى الطبقة الشعبية، فمفهوم العمل عند الأولى هو الاجتماعات على مستوى القرار، إصدار الأوامر إلى من ينفّذها ويكون آلة طيّعة، هذه الاجتماعات التي تتم في لقاءات ومجادلات وعلى موائد الطعام، بين المزاح والجدّ، وباختصار تشبه عيد الفقراء وأكثر، بينما عمل الشعب يسير في أسلوب فردي، لا تعاطي بين العمّال بحكم العمل المتوزّع على أطر فردية، رصانة العبودية لا تترك له فسحة الإبداع والقرار والتصميم، لذلك كان لا بد من أن يفتش الشعب البسيط عن فسحة يعبر فيها عن دوره في اتخاذ القرار والتصميم والتنفيذ والكسب الحرّ، فيتّخذ العيد وسيلة ليركب فرس الزعامة والحرّية، فنجد أسواق الأعياد ومعارضها الكبرى.

هنا ترتاح الطبقة الشعبية من عناء العبودية لتسير ركب سعادة العمل المبدع والربح الحر، تقليدًا للأثرياء أصحاب النفوذ والمال والثقافة، بينما العيد عند الطبقة البرجوازية يتمّ فيه التوقف عن العمل المعتاد، والخلود إلى الراحة والهناء.

ويمكننا أيضًا أن نجد عنصراً في المقارنة، فبينما نرى التعبير الارستقراطي والبرجوزاي عن العواطف وفي المناسبات له قاموس معيّن لا يجوز تجاهله، نرى عند الشعب عفوية في التعبير عن عاطفته إن في المناسبات الفرحة أو المناسبات التي تغوص في الحزن. هنا يمكن أن نذكّر بموقف ضبط النفس الذي أظهره أعضاء العائلة المالكة في بريطانيا عند تشييع جنازة الأميرة الراحلة "دايانا"، ثمّ من جهة أخرى عفوية الشعب وتعبيره عن أسفه وحزنه بذرف الدموع وإظهار عواطف الأسى واللوعة. علاقة الحياة أو الموت، الولادة أو الوداع، هي بين الشعب والحدث غيرها بين النخبة والحدث نفسه.

هذه الميزات التي ذكرنا، في التقوى الشعبية، نجدها عند كل الشرائح التي نالها حرمان من نوع معيّن، فيتم التعبير عن ردة فعل معيّنة من نوع التحصين، فتخلق مثل هذه الفئات أطراً خاصّة تعبّر من خلالها عن استقلالية تظهر عبر اللغة والمرادفات، أو اللباس والتصرفات، طبعًا في الأعياد كما في اليوم العادي.

٢- أشكال التقوى الشعبية

دون أن نعتدّ أنه بإمكاننا أن نقدّم لائحة تستنفد كل هذه الأشكال، وقد خصصنا فقرة للسحر والكلام عن الأعياد، فإن أشكالاً مثل هذا التديّن تشمل أيضًا:

أ- ممارسات يتداخلها عنصر السحر والخرافات، مدموجة بصلوات من الكتب الطقسيّة، فلنفكّر مثلاً بالكتابات التي نسمّيها "الرقيّة"، إنها صلوات من الصلوات اليومية مدموجة بإشارات وتصرّفات سحرية، مثل وضع الرصاص المذوّب في الماء واستنتاج صورة وشكل العين التي أصابت المريض بأذى، أو الحجاب المكتوب صلاة إلى الملائكة مع ذكر أسمائهم وطلب مساعدتهم ضد الشياطين والأبالسة المذكورين أيضاً في هذا الحجاب...

ب - عبادة خاصّة للعذراء والقديسين، تجد تعابيرها في الأعياد، وفي محجّات إلى أمكنة عبادة بعيدة عن الأمكنة القدسيّة المعتادة؛ عبادات وصلوات لها صبغة الأسرار ولكن من دون وجود ممثل رسمي عن الكنيسة (مثلاًَ الكاهن)، وهي تشمل خصوصا حدثان بيولوجية من نوع الخصب أو الولادة أو الموت أو ما يعاش من ضمن الحياة ومعطياتها المتحوّلة وجوديًا.

ج - عبادات أبعد من الليترجيا، نقوم مثلاً بطلب الشفاعة من أموات غير معترف بهم من الكنيسة الرسمية، أو نطلب مساعدة خفيّة من أشخاص ما زالوا على قيد الحياة، فنضع صورتهم تحت وسادة مريض وفي وعينا الداخلي اقتناع بأنهم سوف يقومون بالأعجوبة المرجوّة، لما لهم من قوى خفيّة فعّالة ضد الشرّ.

٣- وظائف التقوى الشعبية

إن الأعمال التي تعبّر عن التقوى الشعبية تظهر عبر طرق دخولٍ في علاقة مع الله، وهي بذلك لها وظيفة طقسية. ولكن، فلنذكّر مروراً بما سبق أن قلناه، الله هنا ليس هذا المطلق بقيمته المطلقة وبصفته المبدأ علّة كل الأشياء والخلائق، بل الله هو قدرة يمكن لنا أن نؤثّر فيها، ويمكن لبعض الناس أن يكون لهم تأثير خاص على هذه القدرة السماوية لما لهم من وساطة طبيعية أو مكتسبة. وإن مثل هذا الموقف الإفرادي، حتى في خدمة الآخرين، مثلاً طلب الشفاء لشخص آخر وليس للذات، نجده في كثير من العبادات الشعبية مصحوبًا ببعض المقاربات والعوارض التي تنبع من المصادر الدفينة للسحر.

كما أن ظاهرة أخرى للتقوى الشعبية هي أن يظنّ المرء نفسه بذي كرامة خاصّة لدى الله لأنه نال منه جوابًا شافيًا على سؤاله لنعمة ما، فهذا الدليل القاطع على محبة الله التي عبّر عنها كما يعبّر إنسان محبّ لإنسان يحبّه، وكلّما كان الجواب سريعًا كانت العلاقة إلى الآخر وحصول النعمة أسرع، وأن تكون هذه النعمة جليّة أكثر ليظهر حب الله لخادمه أجلى.

وتستند مثل هذه العلاقة الشعبية إلى مبدأ "أعطِ تعطَ"، ولمثل هذه الأعمال توجد أزمنة خاصّة وأمكنة خاصّة، إنها أوقات الصيامات مثلاً، أو بعض الأعياد، أو المحجّات إلى أماكن عبادة أو مقام لأحد الأولياء، حتى أحيانًا لا نعرف عنهم الكثير التاريخي، بل ما قد قيل ونُسج حولهم من حكايا[١]، وعادة ما تصبح الأمكنة مقدّسة لسبب وجود أيقونة عجائبية، ولكن ليست كل الحكايات التي تحاك حول هذه الأيقونات لتصدّق، ففي مزار السيدة العجائبية "سيدّة الوعرة" في منطقة من شوف لبنان، أيقونة يحكى عنها أنّها كلما كان الرهبان يحملونها إلى الدير بقصد ترميم المزار، كانوا يجدونها في الغد قد عادت إلى الوعر، ولكن عندما تهجّر الناس من الشوف تهجّرت هي أيضاً ولم تعد إلى مكانها المعتاد في الوعر، ولا أحد يعلم عن مكان وجودها.

في كل ما ذكرنا من هذه الأمثال نجد عاملاً منشّطًا يتكرّر، نسمّيه التأثير في الروح وسوء استعمال الديانة، كما يصنّفه "هرفيه كوكس". فالتقوى الشعبية لها الوظيفة المساعدة في الضيقات الظاهرة في مظاهر العمل أو الصحّة، وظيفتها إعطاء الضمانة حيث الهشاشة وتحوّلات الحياة في الفقر والعوز، مساهمة اجتماعية للتعاضد والمساعدة لمجتمعات مبعثرة ينقصها عامل الضمان الاجتماعي والشعور بالاستقرار.

٤- القيم المحتواة في التقوى الشعبية

بعد فترة طويلة من النسيان والنظرة الدّونيّة، وبعد أن أفلست الطموحات الصناعيّة بأن تخلق الفردوس الأرضيّ، نجد تفتيشًا انثروبولوجيًا جديدًا عن القيم المحتواة في مثل هذه التقوى الشعبيّة. وإن رسالة رسوليّة بعنوان "Evangelii nuntiandi التبشير بالإنجيل" (١٩٧٥) تركّز على أن التقوى الشعبية " تُظهر تعطّشاً لله، وحدهم الفقراء والبسطاء يمكنهم أن يعرفوه". عدا ذلك، فالرسالة أيضًا تنوّه بأن مثل هذه التقوى "تجعل ممكناً سخاء وتضحية إلى حد الشهادة والبطولة عندما يتوجّب إظهار الإيمان، وتجعل من البارز صفات الله: الأبوّة، والعناية، والحضور المحبّ الدائم، وتولّد مواقف داخلية قلّ أن نجدها في الحياة المعتادة وبالدرجة نفسها مثل الصبر، ومعنى الصليب في الحياة اليومية، والتجرّد والانفتاح على الآخرين، والعبادة العميقة والراسخة".

كما يمكن أن نلاحظه حالاً، فنحن أمام قيم من الروحانيّة المسيحيّة السليمة والحقيقيّة، ولكن أيضًا مع الأخطار التي يمكن أن تحتويها، كما استعرضنا سابقاً، هذه الأخطار التي يمكنها أن تجعل مثل هذه القيم تغرق في ضبابية تمنع الرؤية للوجه السليم لمثل هذه العبادة.

والآن، فلنجُز لتحليل العناصر المحتواة في الأعياد والمحجّات، وهي تشكّل الصيَغ الأكثر أهميّة في الاحتفال الشعبي والتقوى الشعبية.

أ- مظاهر خاصّة وقيم العيد الديني الشعبي

بينما كان التحليل في أزمنة سابقة يتركّز على المظاهر الشعبية الفولكلورية وبقايا التقاليد الوثنيّة في الأعياد الدينيّة الشعبيّة، فاليوم يتعمّق التحليل: ثمّة علماء اجتماع، وعلماء انثروبولوجيا، كما لاهوتيون أيضًا، ساعدوا وأسهموا في فهم العيد الديني الذي يحيه البسطاء، فهذا العيد، أبعد من أن يتمّ في الأطر الخارجيّة فقط والسطحيّة منها، فهو يجيب عن حاجات وتطلّبات أعمق ويشكّل ما يمكن أن نسمّيه بحقّ: "الاحتفال الغنيّ بالرموز والمخيّلة الخلاّقة، واللاهوت القصصي...".

وإنه لمن المؤسف جدًا أن "نشطب" مثل هذا الغنى بكلمة ازدراء، بسبب بعض المظاهر القليلة والاستثنائية التي يمكن أن تحتويها هذه الشعائر الشعبية، من رواسب غير عقلانية وغريبة عن الإيمان، فلا ننكر مثل هذا الواقع، ولكنه لا يمنعنا من الاعتراف بالغنى الموجود في العناصر الدينية الأخرى، في هذه العبادة.

ب - عيد الفقراء والبسطاء وعيد البرجوازيين: فوارق حياتية

يختلف العيد بين الفقراء وبين الطبقة البرجوازية، ولقد اهتمّ اللاهوتيون ومنهم هوغو راهنر وهويزينغا ومولتمان بتحليل العيد، وباختصار، يمكن القول إنّ عيد البسطاء يختلف عن عيد الطبقة البرجوازية بأنه ليس هروبًا من العادي المتكرّر، بل هو اضطلاع حرّ، في فترة الراحة والعطلة، بما هو مفروض في اليومي المتكرّر من العبوديّة العمليّة للسعي وراء لقمة العيش، يعني بكلام آخر: الناس الذين ينـزلون يوم الأحد والعيد إلى ساحة القرية أو المدينة ليقيموا العيد، ومن ضمن هذا العيد المهرجانات والدكاكين الصغيرة والنقّالة (الكَشَك) التي تُباع فيه كل أنواع الحلوى والخضار والمربيات والفواكه... سوق الأحد هو ضرب من التعبير عن حرّية الفقير والبسيط عن دوره في مجتمع يحاول أن يتجاهله، إلى حدّ أنه يصنع منه آلة الإنتاج طوال أيّام الأسبوع، فهو يحاول يوم الأحد والعيد أن يصبح "ربّ عمل وسيّداً في المجتمع، وإن يكن المجتمع الخاص وليس العام، وإن يكن ليوم في الأسبوع، وعلى حساب عطلته وراحته!"، هذا على الصعيد الاجتماعي وشريعة العمل والإنتاج، وسوف نعود إلى هذه النقطة أيضًا لاحقًا.

أما على الصعيد الديني، فالمحجّات والأعياد ليست تهرباً من اليومي المتكرر ولا من العذاب والألم، هي أيضًا اضطلاع حرّ بهذه الشؤون البشرية، لا بل هي تنطلق من الإقرار بوجود هذه الحالة البشرية من الألم وهشاشة الحياة.

ج - العيد الديني تحدٍّ لعبوديات اليومي وتفتيش عن مشاركة الآخر

نجد عددًا من الأعياد الدينية له طابع التكفير: الخروج إلى أماكن العبادة، وفي الوعي أو الخافية اللاواعية، أن الإنسان، ودون أن ينسى هذا الطابع السلبي للحياة، بما هي عليه من الهشاشة والضعف والوهن، عوض أن يهرب منه، فالمؤمن يقرّ به ويحمله معه إلى أمكنة العبادة التي يحجّ إليها، وأماكن العبادة تصبح العيادات التي يقصدها أصحاب الأوهان عندما يغلق الأطباء البرجوازيون عياداتهم!

وعوضًا عن نسيان الأوجاع والأوهان البشرية يوم العيد، نجد الإنسان يعيش بحرّية تامّة هذه الأوجاع، فالشعائر والتصرفات التي يمكننا أن نلاحظها في مثل هذه الأوضاع الحياتية تتآلف مع الألم، مثلاً: السير على الحصى والتراب والزفت بأقدام حافية، الزحف على الركب في بعض الأمكنة وصعودًا على أدراج مبنية من الرخام أو الحجر الصلب، حملُ بعض الأشياء الثقيلة إلى مكان العبادة والمحجّة، الصراخ، الدموع، وليس آخرها الهتافات العالية والإنسان "يلاهث" في مسيرته المضنية، ولكنها حرّة، حرّة لأنه أرادها، وكأنّي به يتحدى الألم والتعب وكل ما يصادفه في يومه المعتاد.

وإذا حاولنا بعض المقارنة مع العيد مثلما يحتفل به البرجوازيون، لوجدنا العيد البرجوازي هنيئًا، كسولاً، يغطّ في ممارسات تخرج عن العادي المتكرّر في أسبوع العمل، العيد هنا يعني معاكسة العادي في نظامه ومسيرته ولهاثه وصناعته وكل ما يبتّ إليه بصلة: العيد توقّف الزمان العادي!

الحقيقة تكمن في أن عيد البسطاء يخرج عن الزمان العادي، إلى زمان نشيط غير مألوف في العادي، والبرجوازيون يخرجون من الزمان العادي بالتوقف عن النشاط العادي. والبسطاء في عيدهم يكتشفون أعمالاً جديدة، يكتشفون إنسانًا جديدًا، علاقة جديدة، بينما البرجوازيون يعيشون اكتفاءاتهم. وذلك لأن البسطاء يشعرون بالحاجة الماسة إلى الروابط، هم في خافيتهم اللاواعية يشعرون ضعفهم، ويحاولون في "أوقات الفراغ"، أن يملؤوا فراغات في حياتهم، حاجتهم إلى التضامن والمساندة. ويجد الشعب البسيط عبر العيد عيشًا يفجّر فيه طاقاته التي تسمح له بأن يعود إلى عبودية اليومي مع رجاء متجدّد يسمح له بخوض المعركة مع ثوابت يكتشفها في ذاته وعند الآخرين، عبر العيد والمحجّة والاحتفالات الشعبية الدينية.

د- العيد وأبعاد الفرح والرجاء والشركة مع القديسين

في العيد الشعبي، وبصفة خاصّة، نجد دور القديسين ودنوّهم من الإنسان المؤمن، وخاصة دور الأم العذراء. هذا البُعد من الفرح والرجاء والتعاضد بفعل شعور القديسين والعذراء قريبين من المؤمن، وأكثر من الدنو هم من أفراد هذه الأسرة، يشعرون التآلف الكلّي مع العذراء والقديسين.

يحتوي العيد عنصر الخروج عن المعتاد، أسلوب السفر، غاية السفر، الاثواب المرتداة، الحركات والإشارات، أسلوب الطعام وبعض المآكل الخاصة بمثل هذه الأعياد، أسلوب الراحة، العيد الذي يطول ليسمح للناس بأن يلتقوا بعفوية ويجدوا عند بعضهم تشابهًا بالرغبات والتطلعات وأسباب الحياة. وإذا عرفوا أن يتخلّصوا من ذهنيّة الاستهلاك التي تهدّد كل مجتمع، فهم يعيشون قيمًا روحية أصيلة. وعبر هذه الشعائر الشعبية تجد المواقف الدينية فُسحتها الحياتية في العبادة الأليفة كما ذكرنا، بعلاقة إلى القديسين، وخاصة إلى العذراء الأم البتول، بعمق، وحدهم البسطاء يمكن لهم أن يختبروه بأن يعبّروا عنه في عبادتهم وتقواهم الشعبية.

ﻫ - المعاني المسيحية للمحجات الشعبية إلى المعابد

من البديهي أننا نعتبر الإيمان المسيحي فوق أماكن العبادة المقدّسة: ولكن الكنيسة، وهي شعب الله في مسيرة، علاوة على الأسرار، فهي تستعمل وسائل ووسائط كرازة أخرى لتحمل الإيمان إلى النضج. ولا يسعنا إلا أن نقرّ بأن المؤسسة الرسمية واللاهوت، عبر التاريخ، ما تمكّنا من شرح كل الحياة المسيحية وحياة الكنيسة، فالعبادات الشعبية هي واحدة من تلك المظاهر الدينية التي لم تتمكن الكنيسة، عبر تاريخها، من احتوائها كليًا، ولا هي تمكّنت من الانتظام في أحشاء الكنيسة المؤسسة، وجلّ ما نتمنّاه في أية عبادة تنشأ في محيط شعبي وفي المعابد والمحجات، أن تبقى مثل هذه الشعائر وهذا التدين من ضمن الكنيسة وإن يكن نشأ خارجًا عنها، وإلاّ بدأ الصراع والشقاقات. وعلى الكنيسة، المؤسسة، أن تعترف بأن الروح قادر أن يجدّد الكنيسة عبر مبادرات لم تحضّرها المؤسسة، ولكنها تحمل إليها الحياة عبر البداهة التي تنطلق منها.

تحليل نفسي- اجتماعي للتقوى الشعبية في حوض البحر الأبيض المتوسط

وفي الختام تسيطر نمطية الاختبار القدسي على التقوى الشعبية، حيث ما هو إنساني، أو بشري، أو طبيعي، يميل لأن يفقد استقلاليته ليصبح ممتصًا بما هو أبعد – التاريخ (خارجًا عن واقعية تاريخ الحدث). وينتج عن ذلك اقتناع بأن المرء يمكنه أن "يستخدم" ما هو إلهي - عبر وسائط ووسائل -، ليُخضعه بحسب المصلحة الخاصة أو الإرادة الذاتية. ويتولّد لدينا تديّن من نوع ميول السحر-الشعوذة كمعتقد، "المصلحة" و"الوسائطية": فيبدو الإلهي في حوزة يدنا في الأزمنة والأمكنة المحدّدة، ويمكن استدعاؤه بواسطة ممارسة شعائر وحركات دينية.

ولقد خصّص عالم الاجتماع Ernesto De Martino إرنستو ده مارتينو الكثير من وقته وجهده للاهتمام بهذه الناحية، فجمع عدداً هائلاً من الوثائق بما يختص برواسب السحر التي لا تزال تعيش في حياة الأفراد اليومية، ومن ضمنها عباداتهم، وحاول في الخمسينيات أن يشرح أشكال السحر المحتواة في التقوى الحوض أوسطي.

فما دور السحر، والتوافقية الدينية الثقافية التي تبنّته في سبل وظيفة ما، وما هذه الوظيفة.

فحسب المؤلف المذكور، والذي يُدخل السحر في ديناميكية التقوى أمام ما له القوة السالبة، وقوّة إخراج الأمر الواقعي من واقعيته التاريخية وإعادته إلى حيّز الممكن ليتّخذ منحىً أكثر ايجابيةً! نجد العوامل السحرية في التقوى الشعبية الحوض أوسطية من نوع الانخطاف، الرؤى، الامتلاك، التقسيمات، الكتيبة وعكسها الرقيّة، وكلّها يمكن تصنيفها تحت عنوان [معالجة هشاشة الحياة] وما يمكن أن تشكّلها من قلق، ونحاول عبر السحر وعناصره أن نعيد الاطمئنان إلى النفس القَلِقَة. فأمام هذه القوى السالبة، والحياة تحتويها بكثرة ومن دون أن نتمكن تجاهها بأن نقاوم بشيء، نحاول أن نجابه الأوقات الصعبة في وجوديتنا، في ردّات فعلنا النفسيّة، مقابل بعض المخاطر التي تعترضنا. ومن ضمن هذه الأحوال يكتسب الزمن السحري أهميّة خاصة، بمعنى أنه يقوم بإرضاء الحاجة إلى الانتماء النفسي، ممتطياً وسائل وتقنيات يمكنها أن توقف الأزمة في أفق محدّدة بطقوس ميتولوجية وبذلك يؤثّر في تاريخية المسؤولية الفردية بالأسلوب السحري، ويرتضي في مثل هذا النمط المحمي من القوى غير المرئية من مجابهة القوى السالبة التاريخية[٢].

ويرتضي Gabriel De Rosa  هذه الشروحات، إلاّ أنه يعتبر مثل هذا التآلف بين الممارسات الدينية والعناصر السحرية ثانويًا، ولا يتقبله أكثر من كونه فولكلورًا دينيًا نجده خاصةً في البلاد الفقيرة الحوض أوسطية. ويضع مقابل هذه الخبرة مواقف دينية في الريف الجنوبي من ايطاليا، وفيها مجهود واضح منذ القرن السابع عشر يحاول تحرير الكنيسة من المداخلات الوثنية في شكلها الفولكلوري الذي يؤثّر في الدين وممارساته في الجنوب. كما أنه يضع مثل هذه الممارسات موضع المؤشر إلى ما هو عليه الجنوب من تأثيرات الشعوب الزراعية، التي تحاول الحصول على الاطمئنان في وضعها الصعب وغير المستقر اقتصاديًا.



[١]هذه الأمكنة التي كانت مجهولة تماماً في تاريخ الفرد، تظهر في حياته مع مرض عضال أو هاجس معيّن. نذكر هنا ما قد بثّه التلفزيون اللبناني من برنامح "ناس من ذهب" مع عنوان "الغائب"، زوجة أحد النواب اللبنانيين السابقين وكلامها عن حلم ترى فيه ابنها يغرق في بحيرة جليدية، ثم يأخذها رجال يلبسون العباءات البيضاء ويضعونها في زاوية، وهي غير قادرة على فعل شيء، وتستفيق وقد دبّ فيها الذعر والخوف على ابنها، وتحاول أن تأخذه إلى كل المزارات المعروفة بأفعالها العجائبية، فمن السيدة زينب إلى عذراء صيدنايا، وهناك تمسح جبهته بزيت الشاغورة، وعندما يسألها عن معنى عملها تقول له: لعلّ فيه إبعاد الأشباح الهائمة حوله، وكل هذا لا يفيد لأن على ابنها أن يموت بعد شهر ونصف بحادث سيّارة، ويقول الأب: هذا القضاء والقدر ولا مهرب من المقدّر، والحذر لا يمنع القدر. هنا محاولات إلى الأمكنة الخاصة والغريبة في شعور الضعف البشري أمام قوى مجهولة تضغط على الإنسان وأقداره.

[٢] E. De Martino, Sud e magia, Milano,١٩٧١,p.١١

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك