عدد الزيارات : 1036
المقالات الآبائية 2 آذار 2016


قدّيسُ السـورييّن: أفــــــــرام السريانيّ

الأب باسيليوس جرجس

 

        أعيروني أعينكم أيّها المؤمنون لأحدثكم عن القدّيس أفرام الكبير، محامي الدين القويم الذي زيّن نفسه بأجمل الخِلال وأفضل الخِصال. فلم يكتفِ بأن يُعلِّم بكلامه، بل علَّم كذلك بمثَلِه وسيرته المتلألئة بأشعّة القداسة والكمال...

        دعوني أيّها القارئون الكرّام، أسترسلُ في وصف أفرام المجاهد الشجّاع الذي استمّر يُكافح كفاحًا متواصلاً في ميدان التعليم والتهذيب... الذي انحدر إلى الساحة مضرجًا بدماءِ ابن الله الزكيّة فتعذّر على الخصوم الفتك به... لم يفشل في الجهاد... ظلّ متيقّظًا حريصًا يواظب على الترنيم بقيثارته..."

        بهذه الكلمات يقرّظ يعقوب السروجيّ (+٥٢١)، أحد تلاميذ مدرسة الرها القدّيس أفرام السوريّ ملّخصًا بهذه المدائح سيرة حياة أفرام ابن بلادنا، ومفخرة شرقنا، وقيثارة الروح القدّس.

حياته:

        لقد حيكت، حول حياة أفرام، قصصٌ، وأمورٌ نادرة، كانت في معظمها مشحونةً بالتناقضات والأساطير بغية إبراز مكانته وشهرته، فقد كان لدى المسيحيّين في القرون الأوّلى نزعةٌ – عن قصدٍ أو غير قصد – إلى إضفاء هالةٍ من المجد والعظمة والقدسيّة على رجالاتهم وقدّيسيهم. لذلك جاءت سيرة أفرام غير خالية من دسّ النُساخ، فتعرضت على مرّ العصور للحشو والمبالغة والتشويه، واختلط فيها الحقّ بالباطل والمختلق بالصحيح الواقعيّ. إلاّ أن النقد العلميّ توصل إلى معلومات أكيدة اقتبسها من كتابات أفرام نفسه.

        وُلد أفرام نحو سنة ٣٠٦، في مدينة نصيبين الواقعة في الجنوب الشرقيّ من بلاد تركيا والمجاورة لمدينة القامشلي، من أبوين مسيحيّين، وقد أكد ذلك في كتابه "ضد الهرطقات" إذ قال: "إنّي ولدتُ في طريق الحقّ، مع أنّني في صبوتيّ لم أدرك عظمة الحقّ". أمّا اسم أفرام الذي أُطلق عليه فيعني المثمر أو الخصيب.

        حداثة أفرام كانت حداثة تُقى وفضيلة عادية كما هي حداثة سائر أولاد الفلاحيّن أمثاله في ذلك العصر. إلاّ أنّه أُولع منذ صغره بقراءة الكتاب المقدّس.

        في كتاب اعترافاته يصوّر لنا أفرام سنيّ شبابه بنقائصها وزلاتها، فكان يباهي بأنّه من الشبّان المفكّرين، ويجاهر أمام أقرانه بأنَّ العناية الإلهيّة لا شأن لها في تدبير هذا الكون. إلاّ أنَّ العنايّة الإلهيّة التي بيدها مقادير الدنيا، كانت قد أعدت ذلك الشاب ليكون إناءً مصطفى ونورًا لامعًا تستضيء بلمعانه الشعوب والدهور.

        في نصيبين تتلّمذ أفرام على يد أسقفها يعقوب، ونهل من علمه وفضيلته. وعندما اكتشف هذا الأخير ما يتمتع به تلميذه من ذكاءٍ وحكمة، وفضيلةٍ وتقوى عمّده وهو في الثامنة عشرة من عمره، ووشحه بالإسكيم الرهبانيّ، ثم رسمه شمّاسًا إنجيليًّا وانتدبه ليعلّم في مدرسة نصيبين، فأخذ يعظ ويعلّم حتّى أصبح ألمع أساتذة تلك المدرسة.

        أمّا بشأن مشاركة أفرام في مجمع نيقية ٣٢٥، واجتماعه بالقدّيس باسيليوس الكبير، وزيارته لرهبان البريّة في مصر، فهو أمر مشكوك بصحته، بل مرفوضٌ عند كبار المحقّقين.

        في سنة ٣٦٣ انتقل أفرام من نصيبين إلى الرها على أثر النكسة التي وقعت فيها الدولة الرومانيّة واستيلاء الفرس على نصيبين. في الرها (أوديسا – أورفه) التي كانت مركزًا مسيحيًّا جمع بين الثقافة السريانيّة واليونانيّة، احتل أفرام مكانةً رفيعة عند أسقفها برسا، وما إن شعر أهلها بوجوده بينهم حتّى رحبوا به، وألحوّا عليه أن يعلّم في مدرستهم، فلبىّ الدعوة وشرع يخدم كنيسة الرها شمّاسًا وأستاذًا، وخطيبًا، ومدافعًا، وشاعرًا، وناسكًا.

        في سنة ٣٧٢ – ٣٧٣ حلّت في الرها مجاعةٌ عظيمة، وفتك بأهلها مرض الطاعون، فانبرى أفرام يدير عمليّة جمع المعونات ويطبّب المصابين بغيرةً ومحبّة لا تعرف الفتور حتّى أُصيب هو نفسه بهذا الداء، ورقد بالربّ في ٩ حزيران ٣٧٣.

        في ٥ تشرين الأوّل ١٩٢٠ أعلنه البابا بندكتوس الخامس عشر ملفانًا للكنيسة الجامعة.

أفرام الراهب والقدّيس:

يصف لنا القدّيس غريغوريوس النيصيّ (٣٣٥ – ٣٩٤) حياة أفرام فيقول: "من يوم اعتنق أفرام حياة النسك إلى يوم وفاته، لم يأكل سوى خبز الشعير وشيئًا من البقول المجفّفة، وأحياناً بعض البقول الطريّة. ولم يكف يشرب سوى الماء. وكان جسده هيكلاً عظميًّا كأنه تمثال فخّار. أمّا لباسه فكان ثوبًا رثًا مركبًا من قطع عديدة..."

        اتسمت حياة أفرام الرهبانيّة بكثرة الأصوام والصلوات والاماتات، وممارسة أسمى الفضائل المسيحيّة والكمالات الرهبانيّة، فأحيا الليالي بالصلاة والتأمّل ومناجاة الخالق.

        عشقَ أفرام فضيلتيّ الإيمان والمحبّة، فالإيمان بالنسبة إليه نعمةٌ إلهيّة تعمل في الإنسان وتوجّه جميع قدراته نحو الله. شدّد أفرام في حياته على أهمية الجمع بين الإيمان والأعمال لذلك سعى في كلّ حياته على أن يترّجم إيمانه خدمةً لله والقريب. أمّا المحبّة في نظر أفرام فهي ملازمةٌ للإيمان "فالإيمان لا يستطيع أن يطير بدون المحبّة"، لأنَّ المحبّة تتغلّب في الإنسان على خَشية عظمة الآب والابن، وتبعث في النفس جرأة أعمى أريحا.

        امتدح أفرام الصوم لأنّه يُكسب النفس جمالاً والجسد رونقًا، وهو علامة تبدّل الطبيعة ويمّهد لما ستؤول إليه الأجساد بعد القيامة من كمال. لذلك كان أفرام رجل أصوامٍ بامتياز.

        أحبّ أفرام الصلاة لأنّها تنفُّسٌ للإيمان وامتدادٌ للمحبّة، وهي تجرّد الإنسان من أنانيته وتحمله على محبّة القريب. أكثر أفرام من التأمّل لأنّه ملازمٌ للخشوع والصمت، وهو مناجاةٌ تنطلق من القلب ولا تجتاز عتبة الشفاه.

        ركّز أفرام على أهمية البتوليّة فهي استباقٌ لحياة الفردوس حيث لا جنسيّة ولا زواج، وانتقالٌ إلى مسكن الملائكة. أكّد أفرام على أهمية التوبة والتواضع والطهارة فجاءت صلاته "أيّها الربّ سيّد حياتيّ..." التي نتلوها في فترة الصوم الأربعينيّ صلاةً نموذجيّة إذ تلخص ما يمكن للمؤمن أن يصلّي ويطلب إلى الله.

أفرام اللاهوتيّ والمعلّم:

        امتاز أفرام بعلمه الزاخر الرصين المتين، فوضع علمه ومعرفته في خدمة تلاميذه في مدرستيّ نصيبين والرها مؤكّدًا أن مستقبل الكنيسة يتوقف على نوعية ثقافة المسيحيّين وجديّة عيشهم لإيمانهم.

        في الأناشيد التي وضعها أفرام (ضد الهرطقات – في الإيمان – نشيد الفردوس) يتجلّى لنا سمو اللاهوت الذي ألّفه. فجاء لاهوته لاهوتًا عقائديًّا – راعويًّا، خالٍ من التفلسف والجدل. لاهوتًا مشعًا من خبرته الإيمانيّة، وحاضرًا في قلوب مستمعيه.

        عالج أفرام مواضيع لاهوتيّة كثيرة بالإمكان تأليف مجلدات كاملة عن كلّ موضوعٍ من هذه المواضيع، ولكن هنا سنكتفي بعرض أهمها بطريقة سريعة.

        الله في فكر أفرام إلهٌ واحدٌ أحد نستطيع التعرّف عليه من خلال خليفته، فالسماء والأرض وكلّ زينتهما تشهد بوجود الله، وكذلك الطبيعة والكتاب المقدّس هما شاهدان على وجوده. أمّا الثالوث الأقدس فيذكره أفرام صراحةً في كتاباته فيقول: "تعلّمت وآمنت أنك واحدٌ في وجودكَ، وسمعت وتحقّقت أنّك الآب بوحيدكَ، ونلتُ المعموديّة بالثالوث باسم الروح القدّس". واستعمل أفرام مثل الشمس كغيره من آباء الكنيسة ليشرح سرّ الثالوث: فالقرص والحرارة والضوء هي ثلاث حقائق متميزة وغير منفصلة عن ذات الشمس.

        أمّا بالنسبة ليسوع المسيح فيؤكد أفرام أن يسوع هو إلهٌ كامل وإنسانٌ كامل في الوقت ذاته، فيقول: لقد تاه العقل من أمركَ أيّها الغني، ففي لاهوتكَ غوامض كثيرة وفي ناسوتكَ ظواهر فقيرة. فمن يسبر غوركَ أيّها البحر الكبير الذي صغّر ذاته. إنْ جئنا نراك إلهًا، فها أنتَ إنسان، وإنْ جئنا نراك إنسانًا فها قد شعَّت علامة لاهوتك، فمن يقف على تغييراتكَ أيّها الثابت".

        تعلّق أفرام بمريم أمّ المسيح وأمّنا فتغنّى بمدائحها ووصف فضائلها وترنم بقداستها، ونظم شعرًا في بتوليتها، معلنًا أنّها كانت عذراء قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة. مؤكّدًا أنّها ممتلئةً نعمة ومنزهةً عن الدنس: "ليس فيكَ، يا ربّ، فساد ولا في أمّك دنس".

        أمّا حول تعليمه حول الافخارستيّا (القربان المقدّس) فلا نجد لهذه اللفظة في كتابات أفرام مكانًا، بل نجد ألفاظًا أخرى لها نفس المدلول مثل: دمّ المسيح، القربان، الذبيحة، الخبز. ويشدّد فرام على أنَّ جسد المسيح الحيّ هو الذي نتناوله في سرّ القربان لأجل خلاصنا.

        يؤكّد أفرام في نظريته حول حرّيّة الإنسان وثنائيّة الخير والشرّ أنَّ الإنسان هو مركز الخليقة وهو حرّ في تصرفاته، ولكي يعيش هذه الحرّيّة عليه أن يتحرّر من الجهل والضلال. يُوضِح أفرام أن الإنسان قادرٌ على أن يتغلب على الشرّ لأنَّ الله جبله والله لا يجبل إلاّ الخير، ولكن الإنسان عليه ألاّ يُغيِّب الخير بواسطة نواياه الشريرة.

أفرام الكاتب والشاعر والموسيقيّ:

        "أفرام شمّاس كنيسة الرها، ألّف كتبًا كثيرة في اللغة السريانيّة، وقد بلغ من الشهرة والتوقير أن بعض الكنائس تتلو ما كتبه على الشعب بعد تلاوة منتخبات من الكتاب المقدّس...".

        هكذا عبّر القدّيس إيرونيمس (+ ٤٢٠)، عن أهمية الكتابات التي وضعها أفرام، فجاءت هذه الكتابات تراثًا أدبيًّا خصبًا غنيًّا بالرموز والصور.

        نستطيع أن نقّسم كتابات أفرام إلى ثلاث أقسام:

١- تفاسير الكتاب المقدّس: اتَّبع أفرام في تفسيره للكتاب المقدّس منهج مدرسة أنطاكية التي تفسّر النصوص كلمةً كلمة وآيةً آية تفسيرًا حقيقيًّا ومجازيًّا. لم يصلنا من التفاسير إلاّ القليل كتفسير سفر التكوين، وجزء من سفر الخروج وشذرات أخرى متفرقة. أمّا تفسيره للإنجيل المختلط (الإزائي) المسمّى بالدياطسرون فلم يصل إلينا إلاّ ترجمته الأرمنيّة. كما لم يصلنا من تفاسيره لرسائل بولس سوى النادر اليسير.

٢- الرسائل والخطب النثريّة: لأفرام رسائل عديدة منها رسالة كتبها إلى الرهبان في جبال الرها، وبعض أجزاء من رسالة وجهّها إلى شخص يدعى بوبيلوس. أمّا الخطب فله خطبة عنوانها "في سيّدنا" تحدّث فيها عن ألوهيّة المسيح وافتدائه للبشر، وخطبة "في التأنيب" فيها دعوة على التوبة، وخطب أُلقيت في مناسبات مختلفة منها خطبة "في مخافة الله ونهاية العالم"، وخطبة عنوانها "ويلٌ لنا لأنّنا خطئِنا"، وخطبة "في باطل الأباطيل". في غروب حياته ترك لنا أفرام وصيته الأخيرة التي تعبّر عن ما امتاز به من تجرّد وتواضع وإيمان واستسلام تام للمشيئة الإلهيّة.

٣-  أعماله الشعريّة: يعتبر أفرام من أعظم شعراء المسيحيّة، فقد جاء شعره سلسًا عفويًّا مليئًا بالاستعارات والصور، غنيًّا باللاهوت العقائديّ والروحانيّة المسيحيّة.

        كتب أفرام أشعاره بطريقتين: الميمر والمدراش، والميمر هو منظومة تُقرأ ولا تُنشد، و تفصل بين مقطوعاته لازمة، ولهذا أمكن فيه التطويل والتفصيل، ومعالجة مواضيع روحيّة. أمّا المدراش فهو منظومة شعريّة تُنشد إنشادًا ويتألّف من أبيات محدودة تُجمَع في مقطوعات متساوية تنتهي كلّ مقطوعة بلازمة إنشاديّة.

        نُسِبَ لأفرام الكثير من الأناشيد والقصائد منها الصحيح ومنها المنحول، وسنذكر هنا  بعض ما ثَبُتَ لهذا الشاعر القدّيس:

        ٥٦ مدراشًا "ضد الهرطقات"، ٨٧ نشيدًا "في الإيمان"، ٢١ نشيدًا "في الفطير"، ٥٢ نشيدًا "في الكنيسة"، ٥١ نشيدًا "في البتوليّة"، ٨ أناشيد "في الصلب والآلام"، ٧٧ نشيدًا نصيبينيًّا، ٨ أناشيد "في الصوم"، وأناشيد متنوعة في القيامة والتعزيّة، وأناشيد إبتهاليّة كثيرة.

        لم يكن أفرام شاعرًا بارعًا فقط بل كان موسيقيًّا شجيًّا، فأسّس في الرها وربمّا لأوّل مرّة في تاريخ المسيحيّة جوقةً مؤلفة من الفتيات العذارى وعلمهنَّ أصول الترتيل. وقد رأى أفرام في الموسيقى وسيلةً أنجع وأسرع لبلوغ قلوب المؤمنين وعقولهم فاستخدمها كأداةِ جذبٍ لأهل الرها الذين أغوتهم الموسيقى لكي يعلِّمهم أصول الدين المسيحيّ، واستعملها طريقةً للردِ على أصحاب البدع.

خاتمة:

        "أيّها الأب أفرام. إنّك لم تزل مثل نهرٍ يُفيضُ مجاريَ ذهبيّة. ويُنهضُ الشعوبَ إلى منهج التوبة. فابتهل إلى المسيح الإله أنْ يُخلِّص العالم".

        بهذا النشيد تُكرّم كنيستنا الروميّة الملكيّة الكاثوليكيّة البارّ أفرام في يوم عيده الواقع في ٢٨ كانون الثاني، فلنطلبنَّ إليه على الدوام أن يشفع فينا عند الله لكي نكون مثمرين بفضائل الروح.

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك