عدد الزيارات : 1558
المقالات الرعوية 6 نيسان 2016

  

مِنَ الثِّيابِ السَّوداءِ إلى زَهْوِ الأَلوانِ

 

الأب الدكتور شحادة عبّود عبّود


لقد تعامل الإنسان والحضارات مع معضلة الموتِ عبرَ العصورِ باحترام، وقد عبّر العديد من الشعوبِ والحضارات عن مشاعر الخوفِ والحزنِ حِيال الموت. هذا الاهتمام بالموت إنّما هو دلالة على أهميّة الإنسان وعلى احترام من خلقه أي الله. فالعبرانيون انبروا، كغيرهم من الشعوبِ، وخصوصًا شعوب حوض البحر الأبيض المتوسّط وبلاد ما بين النهرين، لدفن جثثِ موتاهم وأحاطوا زمان الموت بطقوس عديدة توارثوها أو أطلقوها إلى حيّز التنفيذ. لقد حافظت الشعوب على العادات الدينيّة والشعبيّة في دفن موتاهم وبقي كثير منها إلى يومنا هذا إذ نراه بوضوح عندما نحضر مراسم الدفن، بيد أنّنا عندما نلاحظ العديد من هذه العادات المتوارثة والمحافظ عليها لا نفكّر بوعي أو ندقّق بجديّة في صحّتها وفي حقيقتها.

إنّ الكتاب المقدّس وصف بعضًا من العادات الجارية في الوفاة: عندما يموت الإنسان تُسدل عيناه مباشرة، ويقبَّل قبلة عطفٍ وحنان، ويُغسل، ويدهن بالطيب، ويلفّ بالكفن، ويغطّى رأسه بمنديل، وتثبّت يداه ورجلاه بلفائف، ثمّ يوضع في عليّة ويجتمع حوله الأقارب والأصحاب. هذا ما كان يحدث أيضًا في زمن المسيح، وقد حافظنا على هذه العادات في العديد من الأماكن إلى يومنا هذا مع بعض التعديلات. نستطيع أن نضيف إلى هذه العادات الشعبيّة أيضًا العادات الكنسيّة التي اعتمدتها الكنيسة الكاثوليكيّة اللاتينيّة إذ تُقسِّمُ الاحتفال بالجناّز إلى أربع مراحل: استقبال الجماعة للجثّة، ليتورجيّا الكلمة، الذبيحة الإفخارستيّة، وداع الفقيد أمام القبر، وأمّا الاحتفال بالجنّاز في الكنيسة البيزنطيّة فيُقسّم إلى ثلاث مراحل وهي: في البيت، في الكنيسة، وفي المقبرة. إنّنا نرى في هذا التقسيم صدى لأماكن تعامل السيّد المسيح مع الموت فلقد ذهب إلى بيت يائيروس، الذي كان رئيس المجمع، لإحياء ابنته وأوقف نعش ابن أرملة نائين في الطريق قد ذهب إلى المقابر خارج المدينة لإقامة لعازر الصدّيق.

إنّ العادات الشعبيّة المسيحيّة في أزمنة الحداد تطبّعت بالعادات الوثنيّة واليهوديّة القديمة، كالبكاء والعويل والندب، فكان يؤتى بالزمّارين والنادبات لكي يضفوا على موكب الجنازة حركة إذ كان من غير اللائق أن تسير الجنازة صامتة، فيُندب الميت حتّى لو كان مجرمًا شرّيرًا، وتَذَر النساءُ الترابَ على رؤوسِهِنّ ويُمزّقنَ ثيابهنّ. وإذا ما وصل موكب الجنازة إلى القبر كانوا يدفنون الميت، وتعود الأسرة من ثمّ إلى البيت مع من شاركهم في الجنازة ليأكلوا "لقمة الرحمة" بحسب ما جاء في هوشع النبيّ، وتَشربُ الجماعةُ الخمرَ بطريقةٍ طقسيّة، ثمّ يستمرّ تقبّل التعازي. وكان الناس في شهر آذار من كلّ سنة يذهبون إلى المدافن لكي يكلّسوها.  

ومن العادات المسيحيّة أيضًا ومن أكثرها انتشارًا في أيّامنا عادة الاتّشاح بالثياب السوداء للتعبير عن الحزن القابع في قلب من فقد عزيزًا. وهذا ما نودّ معالجته في هذا المقال. وإنّ أوّل ما يراودنا ويراود العديد من المؤمنين في هذا الموضوع هو السؤال المنطقي: هل لهذه العادة أصل في تعليم السيّد المسيح، وهل تعبّر، إن كان الأمر كذلك، عن إيماننا المسيحيّ بالقيامة من بين الأموات؟

إخوتي الأحباء، لنردد مع القدّيس غريغوريوس النزينزي (٣٢٩-٣٩٠) الملقّب باللاهوتي: "أنا أؤمن بكلمات الحكماء، لأنّ كلّ نفس مرهفة ومحبّة لله، عندما ترحل من هنا، تتقدّم مبتهجة للقاء ربّها وتدخل فرح السعادة المهيّأ لها". ولنعبر عن إيماننا أمام هذا السرّ العظيم من أسرار حكمة الله، متأملين كيف تلمع النفس بالبهجة، بعد تركها هذا الجسد، صاعدة إلى السماء برفقة الملائكة وبضمير نقيّ. ألا يجدر بنا أن نتأمّل في هذا السرّ الانتقاليّ من "الموت إلى الحياة" كما نصلّي في نشيد عيد رقاد سيّدتنا مريم العذراء؟ أليس علينا أن نفرح له وخصوصًا عندما ينتقل إلى ملاقاة السيّد، رافعين الصلوات والمزامير والتمجيد لله مبتعدين عن النواح والندب والاتّشاح بالثياب السوداء؟ أليس هذا ما تريده الكنيسة: أن يكون الجنّاز تعبيرًا واضحًا للطابع الفصحيّ للموت المسيحيّ.

إخوتي الأحباء، إنّ الثياب السوداء هي تعبير عن الحزن والخوف، وهذا الأمر طبيعي حتّى يوم الأربعين، يوم صعود النفس إلى خالقها على مثال السيّد المسيح. فلنتركنّ العادات التي تُلهي العقول وتحوّل اهتمامنا عن إيماننا بالقيامة، علينا أن نفرح كمسيحيّين لأنّ أخانا الإنسان قد ترك "سجن الجسد الترابيّ" ورحل إلى الحريّة، إلى السماء، كما يقول القدّيس بولس الرسول: "وإنّنا نحن في هذه الحال نئِنّ حنينًا إلى لبس مسكننا السّماويّ فوق الآخر، على أن نكون لابسين لا عراة. ولذلك نئنّ مثقلين ما دمنا في هذه الخيمة لأنّنا لا نريد أن نلبس ذاك فوق هذا، حتّى تبتلع الحياة ما هو زائل"، حيث سيلبس جسدًا آخر أبديًّا ممجّدًا لا يفنى. هذا ما كان يتمنّاه الرّسول بولس عندما قال: "نحن نعلم أنّه إن هدم بيتنا الأرضيّ، وما هو إلاّ خيمة، فلنا في السماوات مسكن من صنع الله، بيت أبديّ لم تصنعه أيدٍ، ونحن في هذه الحال، نئنّ حنينًا إلى لبس مسكننا السماويّ فوق الآخر"، وفي مكان آخر يقول: "أن نعيش" أي "الحياة هي في المسيح والموت هو ربح لي".

إنّ دموع العينين والتحنّن والحزن تعبير طبيعيّ للنفس البشريّة على فقدان عزيز عليها ولكن علينا ألاّ ننسى أنّنا مسيحيّون ومدعوّون إلى التمثّل بالسيّد المسيح الذي واجه الموت كالرقاد وآمن بأنّ الانتقال من الموت إلى الحياة هو تكميل لمسيرة الاتّحاد بالله. لنسلك كمسيحيّين حقيقيّين، معتبرين الانتقال بداية الحياة الحقيقيّة، ونهاية الحرب وبداية السلام، ونهاية التعب وبداية المكافآت. فلماذا نتّشح بالسواد بعد تأكّدنا أنّ الميت ذاهب إلى حضرة الله تعالى وإلى المجد السماويّ؟

من غير المناسب وغير المعقول الاتّشاح المبالغ فيه بالأسود. أمسيحيّون نحن أم ملحدون؟ هل علينا أن نرضي الناس ونمنعهم من الكلام علينا مكبّلين ذواتنا بالعادات أم علينا أن نقدّم لفقيدنا ما يفيده للحياة الأبديّة محرّرين أنفسنا من أثقال العادات التي لا نفع منها؟ فكيف نلبس نحن ثيابًا سوداء والذين سبقونا إلى الحياة الأبديّة يلبسون ثيابًا بيضاء ناصعة؟ أليس من الأفضل مراعاة العادات المسيحيّة في الإسراع في تقديم الأسرار لمريضنا قبل أن يرقد ليقبلها بورع بدل أن نهتمّ بالعادات الوثنيّة الضارّة بالنفس البشريّة؟ ألا نبتهج لأنّ فقيدنا انتقل إلى الخلاص وسوف يقوم لامعًا عندما يأتي الربّ ثانيةً فيبتهج بقربه إلى الأبد؟

أود أن أؤكد لكم إخوتي بأنّ لبس الأسود على فقيدنا لن يرجعه ولن يساعده ولن يخلّصه، مع أنّه ما من أحد يستطيع أن يفوق حكم الله الرحيم والكلّيّ الصلاح. لنتركنّ إذن هذه العادة ولنعملنّ لمنفعة فقيدنا الراقد، ولنصلِّ دائماً لمغفرة خطاياه، ولنفعلنّ أعمالاً لخيره ولراحة نفسه، ولنقدّمْ تبرّعات للكنائس وللأديرة لكي يذكروا اسمه في الخدم الإلهيّة ويُقيموا له تذكارًا ويصلّوا لراحة نفسه.

يا إخوتي أودّ أن أنوّه بأمر آخر نسقط فيه وهو الامتناع عن الذهاب إلى القدّاس الإلهيّ لأنّنا متّشحون بالثياب السوداء، فالكثير من يقول في نفسه وأمام الآخرين: "كيف نذهب إلى القداس الإلهي ونحن محزونون؟". أصدقائي، أليس طلب الصلوات والصلاة من أجل الراحل أكثر فائدة من عدم الصلاة له؟ ألا تفيده الصلاة وتفيد أيضًا أهل بيته، إذ يجدون في الصلاة الجماعيّة في الكنيسة عزاءً وهي تشعرهم بقرب الجماعة المصلّية؟

إخوتي الأحبّاء، في الختام لقد أردت وأراد العديد من المؤمنين أن تكون هذه الكلمة، وقد أسْميتها "من الثياب السوداء إلى زهو الألوان"، بين أيدينا تأمّلاً بكلمة الله لتنيرنا وتدفعنا إلى ترك العادات الوثنيّة والالتزام بالعادات المسيحيّة التي تنم عن إيماننا بالقيامة. فلا نريد أن نكبت المشاعر الإنسانيّة في التعبير عن الحزن المتمثّل بالثياب السوداء ولكن علينا أن ننضج في الإيمان ونترك هذه العادة بعد الأربعين لأنّه في اكتمال الأربعين يومًا تنتهي مرحلة وتبدأ مرحلة جديدة تُفضي إلى التغيير الجذري.

لنعلن إيماننا ولنصرخنّ مع الكنيسة: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".

© جميع الحقوق محفوظة للمؤلّف.

بطريركيّة الروم الملكييّن الكاثوليك

باب شرقي، دمشق. ص.ب. ٢٢٢٤٩.

يطلب الكتيّب من المؤلّف

أيقونة المسيح القائم من بين الأموات بيد الرّسام عبّود حسكور.

 

 

 

الفهرس

 

الفهرس

٧

مقدّمة

٨

١. ما هي العادة الوثنيّة للثياب السوداء؟

١٢

٢. هل يحزن المسيحيّ كباقي الناس؟

١٨

٣. إلى متى يستمرّ المسيحيّ في التعبير عن حزنه؟

٢٢

٤. ما علاقة يوم الأربعين بالحداد؟

٣٤

خاتمة

٣٩

المصادر والمراجع

٤٠

 

 

تابع أيضاً

عيد القدّيسة صوفيّا

صاحب الغبطة يتراّس احتفالات عيد القدّيسة صوفيا في مدينة صيدنايا....

17 أيلول
احتفالات عيد الصليب المقدّس

صاحب الغبطة يترأّس احتفالات عيد الصليب المقدّس في ....

13 أيلول
زيارة وفد من حزب التجمّع الوطني الفرنسي

صاحب الغبطة يستقبل وفد حزب التجمّع الوطني ....

30 آب
احتفالات عيد التجلّي

عيد التجلّي الإلهيّ في بلدة صيدنايا

7 آب
زيارة الكاردينال بيتر تركسون

صاحب الغبطة يستقبل رئيس المجلس الحبري للتنمية البشرية ....

22 تموز
عيد النبيّ إيليا

صاحب الغبطة وصاحب السيادة يحتفلان بعيد النبي إيليا

21 تموز


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2019 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك