عدد الزيارات : 1285
المقالات الروحية 11 أيار 2016


الطمأنينة في البيت الخاص

هنري نوين[١]


ترجمه عن الألمانية

الأرشمندريت يوسف لاجين

 لا يمكن أن نفكّر بحركة تحوّل من العدوانية إلى حسن الضيافة إذا لم ترتبط داخليًّا بحركة تحوّل العزلة إلى السكون. ما دمنا في العزلة لا يمكننا أن نمارس حسن الضيافة، لأنّنا كأناس يعيشون في العزلة نندفع لأن نلتصق بالآخرين عوضًا عن أن نهيئ لهم فسحة الحرّية.

أذكر تمامًا قصّة طالب استضافته عائلة في أحد البيوت لطيلة فترة دراسته الجامعية. ولكن بعد بضعة أسابيع لاحظ فجأة كم كان مغلولاً مقيّدًا، واتضح له أكثر كم كان ضحيّة عزلة مستضيفَيه اللذين يصرخان من عزلتهما طالبين النجدة. لقد كان الزوجان قد ابتعدا عن بعضهما وكانا يستعملان هذا الضيف ليهدّئا تطلّبهما إلى الحنان. تمسّك المستضيفان بالضيف الغريب الذي جاء إلى بيتهما، لأنّهما كانا يريدان أن يُقدّم لهما الحبّ والحميمية، التي لم يكن بمقدورهما أن يقدّماها لبعضهما. وهكذا اصطيد الطالب الغريب في شباك الحاجات والأمنيات غير المشبعة وشعر حيطان العزلة التي سجنته. وكان عليه أن يختار بين شريكين منعزلين، وشعر بألم التنازع ومزّقه السؤال الرهيب: هل أنت حصته أم أنت حصّتي؟ هل أنت تقف معها أو تصفّ معي؟ ووجد ذاته قد فَقَد حرّيته في مجيئه وذهابه حين يريد. وتيقّن كم كان التركيز على دراسته قد أصبح صعبًا رويدًا رويدًا، لا بل مستحيلاً، كما أنّه لم يعد بمقدوره أن يقدّم المساعدة التي كان يرجوها منه مستضيفاه. ولم يكن يمتلك الحرّية الداخليّة ليغادر المنزل.

هذه القصة تُظهر الصعوبة الكبرى لتقديم فسحة الحرّيّة للغريب، إذا لم يكن السكون موجودًا في حياتنا. وإذا نحن عدنا بالذكرى إلى الأمكنة التي شعرنا ذواتنا مرتاحين فيها، فسوف نكتشف سريعًا بأنّه المكان الذي لنا في ضيافة احترمت حرّيتنا الغالية علينا لنخرج ونعود حيثما وحينما يحلو لنا، ولم يكن ما يكبّلنا شخصيًّا. فقط في الفسحات الحرة يمكن أن تحصل خليقة جديدة وتظهر حياة جديدة. ووحده هو المستضيف الحقيقي، ذاك الذي يهيّئ لنا المكان، الذي لا نخاف فيه شيئًا ويمكننا فيه أن نصغي لأصوات داخلنا وأن نجد كأُناس أسلوبنا الشخصي. ولكن لنكون مثل هذا المستضيف علينا أن نكون أولاً مطمئنين في منزلنا الخاص.

 الفقر مدرسة حسن الضيافة

الأب رافي حلاوة بطريركية الروم الكاثوليكبمقدار ما نصبح في السكون من عزلتنا، يمكن أن يصبح فينا استضافة عوض العدوانية. وطبعًا هذا ليس مسألة مرور زمان. قد لا يتمكن المرء من شرح الحدثان المتداخلة والمتشابكة في الحياة الداخلية وأجزائها. إنّما لا شكّ في ذلك، بأنّ العزلة تقود غالبًا إلى تصرّف عدائي، والسكون هو المناخ الذي تنمو فيه حسن الضيافة. إذا شعرنا ذواتنا في عزلة ووحدة، فنحن بحاجة ماسة إلى اهتمام وحبّ الآخرين، إلى حدّ أنّنا نكون كثيري الحساسية لكلّ المشاعر التي تأتينا من حولنا ونفكّر بسهولة بعدوانية تجاه كلّ واحد يظهر لنا بأنّه غير مبالٍ بنا. ولكن ما أن نكتشف في قلبنا محور حياتنا وفي وحدتنا نكتشف ليس قدرًا علينا قبوله بل واجبًا نقرّه ونتقبّله، حتى يكون بمقدورنا أن نفسح للآخرين حرّيتهم. وحين نتخلّى عن الامتلاء الكلّي، يمكننا أن نقف فارغين في خدمة طواعية كاملة لأجل الآخر. وعندما نصبح فقراء يمكننا أن نحسن الضيافة. إنّ مفارقة حسن الضيافة تقوم بالواقع بهذا، بأنّ الفقر هو المدرسة التي تجعلنا نتعلّم حسن الضيافة. إنّ الفقر يحوّل قلبنا إلى وضعية نتخلّى فيها عن الدفاع الذاتي ونحوّل أعداءنا إلى أصدقاء. بمقدورنا أن نرى في الغريب عدوًّا طالما كان عندنا ما ندافع عنه. ولكن عندما نقول: "تفضّل بالدخول – إنّ بيتي هو بيتك، فرحتي هي فرحتك وألمي هو وجعك وحياتي هي حياتك"، حينها لا يبقى عندنا شيء ندافع عنه، لأنّنا آنذاك لم يبقَ لدينا ما نخسره، فلقد أعطينا كلّ شيء.

نحوّل الوجنة الأُخرى فقط حين نظهر لأعدائنا بأنّه يمكنهم أن يكونوا أعداءنا عندما كانوا ينظرون إلينا كيف كنا نتمسّك بكلّ قوّتنا بكلّ ما كان يبدو أنّه مُلكٌ خاصّ لنا: بعلمنا، بصيتنا، بأرضنا، بمالنا أو بالأشياء الكثيرة التي حوّطنا أنفسنا بها. ولكن من تراه يريد أن يسرقنا، من نقدّم له فرحين ما كان يريد أن يسلبنا إياه؟ ومن تراه يكذب علينا إن كنّا حسنًا خدمنا الجميع بالحقيقة؟ ومن تراه يتسلّل إلينا من الباب الخلفي إذا كنّا فتحنا باب منزلنا على مصراعيه للاستقبال المستضيف؟

إنّ الفقر هو المدرسة التي تعلّمنا حسن الضيافة. وعلى المرء أن يشرح هذه المفاجأة عن كثب. ولمن يريد تقبّل الآخرين بحرّية ثمّة أسلوبان من الفقر هما مهمّان خصوصًا: فقر الروح وفقر القلب.

فقر الروح

الأب رافي حلاوة بطريركية الروم الكاثوليكمن كان مليئًا بالأفكار والتصورات ولديه الكثير من القناعات لا يمكنه أن يحسن الضيافة. فلم يعد في داخله مكان ليصغي، وتنقص فيه عطية الانفتاح ليكتشف عطيّة الآخر. وبدون صعوبة يمكن للمرء أن يرى كيف أن أولئك الذين "يعرفون كلّ شيء" يمكنهم أن يخنقوا التواصل ويمنعوا تبادل الأفكار. أمّا موقف الروح فيقوم بفقر الروح باستعداد نامٍ للتعرّف إلى سرّ الحياة بما لا يمكننا فهمه. وكلما ازددنا نضجًا كلّما اهتممنا بميلنا لفهم ملء الحياة لإدراكه ولوعيه، وكلّما أصبحنا مريدين لأن نسمح للحياة أن تدخل إلينا.

وتنشئة الاهتمام بالنفوس يمكنها أن تكون مثلاً جيدًا في ذلك. وحتى نستعدّ للخدمة، ينبغي علينا أن نتحضّر لـ لامعرفة ملحوظة، لجهل عالِم، علمٍ لا يعرف شيئًا. أناس يعتدّون بأنّهم يسيطرون على العالم ويسودونه لا يمكنهم أن يقبلوا بمثل هذا بسهولة. نريد جميعنا أن نكون مثقفين، بحيث نكون سيّد الوضع ونجعل كلّ شيء يسير كما نحتاج. إنّما التنشئة لخدمة النفوس هي تنشئة لا تقوم على أن نتمكّن من الله، إنّما بالحري أن نضع أنفسنا بتصرّفه.

لا زالت في ذاكرتي ما قصّه عليّ أحد المبشرين البروتستانت من أفريقيا الجنوبية بخصوص تنشئته. عندما شعر هذا الرجل بالدعوة لخدمة النفوس وقُبل من طرف الكنيسة، أُرسل بدون أن يُتمّ دروس اللاهوت بصفة مساعد راعٍ إلى إحدى الرعايا. ولكنه كان مقتنعًا من معلوماته وخبرته، وكان حماسه وغيرته كبيرين إلى حدّ أنّه لم يصعب عليه أن يعظ طويلاً ويحاضر محاضرات في مواضيع ذات أهمية. ولكنه استدعي بعد سنتين وأُرسل إلى الاكليريكية ليُتمَّ دراسة اللاهوت. وبالعودة إلى زمن وجوده في الإكليريكية قال: "أثناء هذه السنوات قرأت كثيرًا من كتب اللاهوتيين والفلاسفة والروائيين. وبينما كان يبدو لي في السابق كلّ شيء على أنّه واضح وعادي، أضعت الآن يقيني، لقد ساورتني أفكار كثيرة ولم أعد أكيدًا من ذاتي ومن صحّة اعتداداتي". لقد كانت سنوات الدراسة بمقياس ما بالأحرى سنوات نسيان ممّا سنوات حفظ، عندما عاد إلى خدمة النفوس كان لديه القليل يقوله والكثير يصغي إليه.

تُظهر هذه القصّة بأنّ الذين يهتمون برعاية النفوس ليسوا أفرادًا بمقدورهم أن يقولوا بالتحديد من هو الله وأين نجد الخير والشر، ولا كيف يعبُر الإنسان من هذا العالم إلى العالم المقبل؛ ولأنّهم أناس تسمح لهم عدم معرفتهم المعلنة أن ينتبهوا إلى صوت الله عبر فم الشعب وحدثان الأيام والكتب، التي تحمل إليهم تجارب حياة رجال ونساء من بلدان أُخرى وأزمنة أُخرى. وباختصار الكلام، العلم الذي لا يعرف شيئًا يجعلنا قادرين بانتباه كبير لأن نستقبل الكلمة من الآخرين ومن الآخر. هذا هو فقر الروح. إنّه يفترض بالضرورة أن يرفض المرء بشكل ثابت أن يجعل الله معادلاً لمفهوم أو لنظرية أو لوثيقة أو لحدث. وفقر الروح هذا يحفظ الرجال والنساء من أن ينزلقوا في بدعة أُصولية أو يقعوا في مطبّات التهوس، بينما فقر الروح هذا يخدم اضطراد النمو في الخير والتقبل له.

وما يصحّ في خدمة النفوس يصحّ في الخدمات الإنسانية الأُخرى. إذا ألقينا نظرة على العمل اليومي للمحلّل النفسي، أو المعالج النفسي، أو المعتني بالنفوس ومرشدي الحياة، يمكننا أن نستنتج كم تتطلب مهارتهم المهنية من الإصغاء المتنبّه، مع آلات أو بدونها بدأب مستمر عليهم ألاّ يعيقوا مرضاهم بوقوفهم في طريقهم. فقر الروح الطوعي يجعل ممثّلي الاستشفاء متقبّلين للعلم الجديد والمعارف الجديدة، التي ينقلها إليهم باستمرار أُولئك الذين يلجأون إليهم طالبين المساعدة. وهذا لا ينتقص من أهميّة المساعدة التي لا جدال حولها أو الضرورة الملحّة لإيجاد بنيات لتخفيف وطأة الجوع، والعطش والعري أو التشرد، للملايين في العالم الذين هم بدون مأوى. على العكس. فإذا نحن برعايتنا للفقراء كان الشكر موجهنا والاستعداد لاستقبال الآخرين، كان من الممكن أن تُقبل مساعدتنا دون أن تُشعر بالخجل. فكثير من الناس الذين يجدون أنفسهم في وضع صعب روحيًا ونفسيًّا يعبّرون بوضوح متزايد دائمًا بأنّه من الأفضل أن يرفضوا المساعدة ليحافظوا على كرامتهم بالأحرى ممّا أن يتقبّلوها ويصيروا متسولين أو ينحطّوا إلى مرتبة العبيد.

فقر القلب

الأب رافي حلاوة بطريركية الروم الكاثوليكينبغي على المستضيف أن يكون فقيرًا ليس بالروح فقط بل أيضًا بفقر القلب. إذا كان قلبًا ممتلئًا بالأحكام المسبقة والهموم والحسد، فهو لم يترك فسحة فيه للغريب. وفي جو مشحون بالقلق ليس من السهل الحفاظ على انفتاح القلب بدرجات اللقاء مع الناس. وحسن ضيافة صادقة لا ترفض أحدًا، بل هي بتصرّف الجميع وتفسح المجال للقاءات الناس من كلّ نوع. وهنا أيضًا يمكن لرعاية النفوس أن تكون مثلاً لذلك كم هو مهمّ هذا النوع من الفقر. ثمّة أناس يبادروننا بالاعتداد بأنّهم حصلوا على خبرة داخلية أرشدتهم الطريق إلى الله. وغالبًا ما يكون هذا الاختبار مكثّفًا إلى درجة أنّ مثل هذا الإنسان لم يعد قادرًا على الرؤية (الوعي) بأنّ طريقه (أو طريقها) ليس بالضرورة الطريق بالمطلق. كما أنّ الله أيضًا لا يمكن "فهمه" أو "إدراكه" بفكرة معيّنة تمامًا أو تصوّر أو رأي أو قناعة، كما لا يمكن أيضًا تحديده عبر شعور عاطفي أو عبر إحساس معيّن تمامًا. وليس من المسموح أن نضع معادلة لوجود الله بشعوركما لو كان جارًا لنا، ومشاعر حلوة وانخطافات وانجذابات وملامسات ناعمة. لا يقوم الله ببساطة من ميولنا الجيدة، من غيرتنا، من سخائنا أو حبنا كلّ هذه الانعطافات القلبية يمكنها أن تكون دليلاً إلى حضور الله، إنّما عدم وجودها لا يعني الدليل إلى غياب الله. ليس فقط أنّ الله أكبر من روحنا (فكرنا)، بل هو أيضًا أكبر من قلبنا، وكما علينا أن نتنبّه للتجربة أن نلبّس الله تصوّراتنا الصغيرة (نجعل الله على حكم تصوّراتنا الصغيرة) كذلك علينا ألاّ نجعله على مقياس مشاعرنا الضيّقة.

وليس فقط في رعاية النفوس، إنّما أيضًا في أعمال غيرها تخدم الرعاية، علينا أن نبقي أمام أعيننا بأنّ القلب المنتفخ والروح المنتفخ يشكّلان خطرًا على تواصلنا. إنّ قلبًا منتفخًا يمكنه أن يجعل من صاحبه عديم الصبر. ولكن إذا كنّا مستعدين لأن نستغني عن أن نقيس الآخرين حسب قياس صنعناه نحن، ونزنهم حسب خبراتنا، آنذاك يمكننا الوصول إلى معرفة أنّ الحياة هي أكبر من حياتنا، وأنّ التاريخ هو أكبر من تاريخنا، وأنّ الخبرة هي أكبر من خبرتنا وأنّ الله هو أكبر من إلهنا. هذا هو فقر القلب الذي يجعل منا خير مضيافين. في فقر قلبنا يمكننا أن نشعر خبرة الآخرين غنىً. ما بين تاريخهم وتاريخنا يمكن أن يقوم رابط مخصب، يمكن لحياتهم أن تعطي حياتنا معنى، ويمكن لإلههم أن يتوجّه في الوحي المتبادل إلى إلهنا.

ويصف يوهان باتيست ميتز Johann Battist Metzهذا الموقف بطريقة ملائمة:

يحب علينا أن نتمكّن من نسيان أنفسنا، أن نتراجع، ليصل الآخر بفرادته إلى حقّه. علينا أن نتركه يكون ما هو، أن نحرّره في خصوصيته، التي غالبًا ما تقرفنا وتدعونا إلى تحوّل مما يؤلمنا... غالبًا ما نقف من الآخر موقفًا فوقيًا: ونسمح فقط لما نمرّره عبر مصفاة خصوصياتنا وما اعتدنا عليه منذ زمن لأن يكون، ما "يهمّنا"؛ وهكذا يصل الآخر إلينا، سرّه المفرّح والخلاصي لماهيته الفريدة، إنّما دائمًا ما يصل هو نحن، وندفع بألم ثمن عزلتنا القاتلة، لأنّنا لم نجرؤ على فقر اللقاء، بل جعلناها فقط فرصة لاعتدادنا اليائس بذاتنا ولعبادتنا للذات. وما يبقى لنا من هذا هو فقط ظلّ ذاتنا، الشبح الجحيمي لذلك الكائن، الذي لا يجد امتلاء ولمعان كيانه إلاّ إذا انفتح للآخر وتجرّأ أن يضيّع ذاته لأجله (مت ١٠/٣٩).

فقر القلب هو الذي ينشئ الجماعة؛ فإنّ سرّ الحياة ينفتح ليس للذين يرتضون ذواتهم، بل للتبادل المبدع.

أن نفتخر بضعفنا

نحتاج لحسن الضيافة إلى الفقر، فقر الروح وفقر القلب. الآن لربما يمكننا أن نفهم كم هو مهمٌ "التمرّس" في حسن الضيافة. إنّ ثمّة برامج تثقيفية في التحضير لأعمال الخدمات من كلّ نوع. ولكن قلّما ننظر إلى هذه البرامج من زاوية احترام التمرّس في الفقر الطوعي. وبدل ذلك نحن نجهد النفس للتسلّح بعدّة أفضل ومهارة أرفع. نريد أن نكتسب "عدّة العمل" الملائمة. إنّما امتهان أصيل للخدمة يتطلّب مسيرة أصعب وغالبًا مؤلمة في التمرّس ببذل الذات. والصعوبة القمّة في الخدمة تقوم بهذا، أن يرافق المرء طريقًا دون أن يقف عقبة في "الطريق". وإن تكن ثمّة وسائط، أدوات عمل ومهارات، على الخادم أن يكتسبها، فهي تقوم في الخط الأول بهذا، أن نفلح الحقل، ونقتلع العشب الضار، ونشذّب الأغصان، ما يعني أن نبعد ما يمنع النمو والتطوّر. في الاستعداد للخدمة المطلوب ليس اكتساب الغنى، إنّما أن نصبح فقراء طوعًا، ليس امتلاء الذات، إنّما بذل الذات، ليس أن نتسلط على الله، إنّما أن نخضع أمام قوّة خلاصه.

الأب رافي حلاوة بطريركية الروم الكاثوليككل هذا لا يجد إلاّ بصعوبة، قبولاً في عالم اليوم، الذي لا يني يبشّر بأهميّة متطرّفة للقوّة والتأثير. إنّما لهو مهمّ أن تبقى في هذا العالم بعض أصوات ترتفع قائلة بأنّه إن كان من سبب للافتخار فلنفتخر بضعفنا. إنّ امتلاءنا يقوم بهذا، أن نقدّم الفراغ، فائدتنا بأن نصبح عديمي الفائدة وأن تكون قوّتنا في حصولنا عديمي القدرة. إنّ المقولة المفضّلة في الكرازة المسيحية هي أنّ الله ظهر لنا ليس بقوّة المغاير ومعرفته الكليّة وقدرته المطلقة وحضوره في كلّ مكان، عوض ذلك جاءنا بيسوع المسيح الذي "هو القائم في صورة الله لم يعتدّ مساواته لله (حالةً) مختلسة؛ بل لاشى ذاته، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا شبيهًا بالبشر، فوُجد كإنسانٍ في الهيئة. ووضع نفسه وصار طائعًا حتى الموت، (بل) موت الصليبّ!" (فيلبي ٢: ٦-٨). الله نفسه هو الذي يظهر لنا حركة اتجاه حياتنا الروحية. ليست حركة تتجه من الضعف إلى القوّة، إنّما حركة فيها نتخلّى عن خوفنا ونخلع عنّا موقف الدفاع ونصبح دائمًا في انفتاح أكبر للآخر ولعالمه، حتى إذا كلّف ذلك الألم والموت ثمنًا.

بينما الخطوة التي نعبر بها من العزلة إلى السكون تقودنا للتوجّه إلى أعمق أعماق ذاتنا، تعبر بنا من العدوانية إلى حسن الضيافة، للاهتمام بالآخر. إنّ عبارة "حسن الضيافة" قد اخترناها فقط، لنجعل منها علاقة مسيحية ناضجة تجاه الإنسان الذي نعيش معه. وكلمات مثل "فسح المجال"، "حرّية الاستقبال" و"التحرّر من أنصاف الحلول"، "فقر الروح" و "فقر القلب" ينبغي أن تكون الدلالة على أنّ روحيّة المسيحيين ليست جذورها في الواقعية اليومية فقط، إنّما أيضًا تترفّع لتكون عطيّة الثقة بالله. "المساعدة" و"الخدمة" و"الرعاية" و"الإرشاد" و"الشفاء": هذه الكلمات ينبغي أن تعبّر عن جهدنا في سبيل الآخرين، الذين يجعلوننا نتعرّف على الحياة على أنّها عطيّة لا نمتلكها، إنّما ينبغي أن نتقاسمها مع الآخرين.

وهكذا نصل أخيرًا إلى أهمّ وأصعب صفحة من الحياة الروحيّة، إلى علاقتنا معه، هو المعطي. لقد كان الكلام على الله، وكلام كثير، عندما تمّت لنا الحركة من العزلة إلى السكون ومن العدوانية إلى حسن الضيافة. وفي كلّ هذا كان السؤال المفصلي: ما هي الطريق التي تقود إلى أعمق أعماق الذات وإلى الإنسان الذي نعيش معه؟ ولكن هل هناك من طريق إلى الله؟ إذا كان الجواب بالنفي، يبقى السكون وحسن الضيافة مُثلاً فضفاضة، تصحّ لأن تكون موضوع كلام جيّد، إنّما للواقع اليومي لا تكون مفيدة بشيء. لذلك فإنّ الحركة من الوهم إلى الصلاة هي ما يسبق في الحياة الروحيّة، والتي هي في أساس كلّ ما قيل حتى الآن.




[١] Henri J. M. Nouwen, Der dreifache Weg, Herder ١٩٨٤, S. ٩٦-١٠٥

تابع أيضاً

خميس الصعود

صاحب الغبطة يترأّس قدّاس عيد الصعود في كاتدرائيّة سيّدة النياح البطريركيّة ....

21 أيار
أحد شفاء الأعمى منذ مولده

ترأّس صاحب الغبطة القدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة سيّدة ....

17 أيار
أثنين البعوث

بث صلاة أثنين البعوث وخلال هذه الصلاة تتم قراءة الأناجيل باللغات ....

13 نيسان
رتبة الهجمة وقدّاس عيد القيامة

بث صلاة الهجمة وقداس عيد القيامة من كاتدرائيّة ....

11 نيسان
رسالة صاحب الغبطة بمناسبة عيد القيامة المجيدة

رسالة صاحب الغبطة بمناسبة عيد القيامة ....

11 نيسان
صلاة السحر ورتبة جناز المسيح

بث صلاة السحر ورتبة جناز المسيح من كاتدرائيّة سيّدة ....

11 نيسان
تقديس النور وصلاة الغروب وقدّاس باسيليوس

بث صلاة تقديس النور وصلاة الغروب وقدّاس ....

11 نيسان
صلاة الغروب و تنزيل المصلوب

بث صلاة الغروب وتنزيل المصلوب من كاتدرائيّة سيّدة ....

10 نيسان
صلاة غسل الموائد وقدّاس باسيليوس

بث صلاة غسل الموائد وقدّاس باسيليوس من كاتدرائيّة ....

9 نيسان


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2020 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك