عدد الزيارات : 1452
المقالات الأخلاقية 19 أيلول 2016


المسامحة والغفران

أربع خطوان نحو التسامح

 

الأب رافي حلاوة

الصفح هو تجربة محرّرة للذات، تجربة من الممكن أن تقود، إذا تمّ اختيارها بطريقة جدّية، إلى حياة أكثر سعادة.

من المثير للاهتمام أنّ الغفران لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان لدى الإنسان القدرة على الاختيار، فيكون لديه الخيار بأن يغفر أو لا يغفر، ولا أحد يستطيع أن يرغم أي شخصٍ كان على القيام بأي من هذين الخيارين على حدٍ سواء. بل على العكس، إذا أردنا أن نغفر لشخصٍ ما لا يمكن لأحد أن يمنعنا مهما كانت إساءته كبيرة ومهما حاول إقناعنا.

هذه القدرة على الصفح والتسامح هي مظهر من مظاهر قوة الشخصية والتي تظهر قدرتنا على اتخاذ القرارات الحياتية. لذا فإنّه من الجميل أن نشكر الله على إعطائنا هذه القدرة على اتخاذ القرارات الحكيمة كالغفران والمسامحة.

من المثير للإعجاب أنَّ العفو يعني أيضًا أن تكون لدينا القدرة لنحكم إذا كنّا قد تعرضنا للإساءة في المقام الأول أم لا. قد تكون المسامحة قرارًا صعبًا بما فيه الكفاية لكثيرين منا، ولكن لنتصوّر كيف ستكون حياتنا إذا كنّا قد استخدمنا قدرتنا في الحكم على مدى تعرّضنا للإساءة، وبما أنّه لدينا هذه القدرة فمن المنطقي أن نمنع عد المرات التي نشعر فيها بالإهانة والألم، وعندئذ قلما تنشأ الحاجة إلى المغفرة.

إنّ الحياة دون الإحساس بالمهانة، ومن دون توجيه اللوم، والقدرة على المسامحة هي حياة مفعمة بالسلام والسعادة.

يمكن الوصول إلى هذه القدرة على العفو والمسامحة عبر أربع مراحل هي:

أولاً- المرحلة الأولى: أن يكون الإنسان ممتلئًا بغضب مبرّر نفسيًا. فلا بدّ أن يكون الإنسان قد مرَّ بتجربة الشعور بالألم والغضب تجاه شخص ما أساء إليه، وعندئذ يوجّه اللوم للشخص المبادر بالإساءة والمسبَّب للألم، وينسى المتألّم أنّ لديه الخيار في كيفيّة الرد، أو أنّه يكون غاضبًا لدرجة تجعله يفكّر أنَّه لن يكون من الصواب أن يغفر ويسامح. في هذه المرحلة يكون هناك عادةً غضب ظاهر ومكبوت على حدٍّ سواء.

ثانيًا - المرحلة الثانية: تبدأ بالصفح عندما يدرك المرء بعد شعوره بالغضب لفترة من الوقت أنّ الغضب يولّد شعورًا سلبيًا وضارًا. فهو يسيء للصحة الجسدية والنفسية على حدٍّ سواء. هنا قد يشعر هذا الشخص برغبته في إصلاح الأضرار التي لحقت بعلاقته مع الشخص الآخر، فيبدأ باتخاذ الخطوات نحو الصفح. ومن الممكن أيضًا أن يبدأ برؤية المشكلة حسب وجهة نظر الشخص الآخر، كما أنّه يمكن ببساطة أن يقرّر نسيان المشكلة. في كلتا الحالتين وبعد فترة طويلة من الزمن قد يكتشف الإنسان أنّه لم يعد غاضبًا، وأنّه قد يغفر للشخص المسيء. هذه العملية يمكن تطبيقها في حالة الغضب على الذات، أو على شخص آخر أو على الحياة بصفة عامة.

ثالثًا- المرحلة الثالثة: تأتي بعد إدراك النتائج المفيدة للصفح واختيار الابتعاد عن الغضب. ويفضّل الإنسان في هذه المرحلة ألا يشعر بالغضب والحزن لفترة طويلة من الزمن. ومن ثمّ يعمل على إصلاح علاقته بالشخص الآخر، ويتوقّف عن رؤية وضعه بشكلٍ متأزم. نتيجةَ لذلك، يقرّر هذا الشخص أنِّ المشكلة قد أخذت وقتها الكافي وحجمها المناسب ومن الأفضل النظر إلى الجوانب الجميلة في الحياة. هذا يمكن أن يظهر في حالات بسيطة كتجاوز سيارة من قبل سيارة أخرى على الطريق السريع، أو في حالة معقدة مثل مشاكل الزواج. ففي هذه المرحلة يدرك الشخص أنَّ امتداد الفترة الزمنية التي تستمرّ فيها الأزمة التي تواجهه هي في المقام الأول تعود إليه.

رابعًا- المرحلة الرابعة: تشمل الاختيار الواعي لعدم الغضب أو ندرة الحالات المسبّبة له. وهذا يعني في كثير من الأحيان أن يغفر الشخص قبل الضغط على الزناد. وتبرز هذه المرحلة عندما تخطر على فكر الإنسان هذه الأفكار التالية:

لا أريد أن أضيّع وقتي الثمين وأهدر حياتي في الشعور بالغضب والانزعاج لذا سأخطو خطوة جديدة.

أنا قادر على مسامحة نفسي، مسامحة الآخرين ومسامحة الحياة.

أنا أعرف كم هو من الصعب ألاّ يسامحني الآخرون، وأنا لا أريد أن أؤذي أحدًا بغضبي لذا سأنسى الإساءة.

أفضل الناس ممكن أن يخطئوا وأنا أستطيع مساعدتهم عندما أحاول تفهّمهم، الخطوة الأولى في هذه العملية هي أن أغفر الإساءة.

جميع الناس وأنا من بينهم يعملون لمصلحتهم الشخصية. لذا لا بدّ لي أن أعرف تتضارب مصالحي مع مصالح الآخرين. ولو استطعت تقبّل هذا كواقع في هذه الحياة فلن أشعر بالغضب والإساءة والانزعاج. لأنّني في الواقع قد أخطو مثلهم فلا يسعني عندها إلاّ أن أسامحهم.

إنّ هذه المراحل الأربعة قد لا يحتاجها الناس لكي يتوصّلوا إلى المغفرة والمسامحة، كما أنّها لا تنطبق على كلِّ أنواع العلاقات. فهناك بعض الناس الذين نشعر تجاههم ببالغ الحبّ نخطو فقط المرحلة الرابعة فيكون قلبنا مفتوح عندها لهم وعلى استعداد للتسامح. وهناك أشخاص آخرين لا نستطيع الانسجام معهم ويمكننا قضاء سنوات لنخطو المرحلة الأولى. انطلاقًا من هنا والأكثر أهمية هو أن نعيّ أهمية قراراتنا، ونتذكّر أنّ اختيار الصفح وممارسته يقودنا إلى السلام والصحة في علاقاتنا ومع أنفسنا.

تسع خطوات عمليّة للمسامحة:

 اعرف تمامًا ما الذي تشعر به إزاء ما حدث، وحاول أن تكون قادرًا على تحديد ووصف الإساءة التي تعرّضت لها، ثم أخبر شخصًا تثق به عن تجربتك.

الزم نفسك أن تفعل ما عليك فعله لكي تشعر على نحو أفضل. فالمسامحة من أجلك وليست من أجل شخص آخر.

التسامح لا يعني بالضرورة تحقيق المصالحة مع الشخص المسيء، أو التغاضي عن الإساءة. هدفك هو الشعور بالسلام. والصفح يمكن تعريفه بأنّه "السلام ومعرفة النتيجة من توجيه اللوم للشخص المسيء، وعدم التعامل مع تجارب الحياة بطريقة شخصية مطلقة، وتغيير مسيرة حياتك الحزينة".

 رؤية ما حدث من منظور صحيح، وإدراك أنّ سبب معاناتك الرئيسي هو إحساسك بالألم والانزعاج، وليس ما حدث منذ دقيقتين أو منذ زمن طويل.

 في اللحظة التي تشعر بها بالانزعاج قم بممارسة إحدى التقنيات الرياضية التي تساعد بالتغلّب على الضغط والتعب النفسي، وتحدّ من رغبتك بالضرب.

لا تنتظر من الآخرين أو من الحياة أن تهبك ما لا تريد إعطائه لك. تذكّر أنّك لا تستطيع أن تفرض قوانينك على كيفية تعامل الأشخاص معك أو على الحياة. وأنّك تستطيع أن تصلّي لتكون بصحة جيدة، وتكون محاطًا بالحبّ والأصدقاء والوصول إلى النجاح, وعليك أن تعمل جاهدًا للحصول على هدفك ومبتغاك.

 وظِّف طاقتك في البحث عن طرق أخرى للوصول إلى هدفك بدلاً من الطريق الذي يزعجك، إنَّ ذلك أفضل بكثير من أن تدع ردّة فعلك تحدّ من قدرتك على الوصول إلى هدفك.

تذكّر أنّ الحياة السعيدة أفضل من الانتقام. وأنّ الشعور بالمهانة والضعف يعطي الشخص المسيء قوةً وسيطرة عليك. لذا، بدلاً من التركيز على ألمك ومشاعرك المجروحة، تعلّم البحث عن الحب والجمال من حولك.

عدّل قصة الظلّم الذي تعَّرضت له، وتذَّكر أنّ الصفح هو اختيار الأقوياء.

 

 

  

تابع أيضاً

خميس الصعود

صاحب الغبطة يترأّس قدّاس عيد الصعود في كاتدرائيّة سيّدة النياح البطريركيّة ....

21 أيار
أحد شفاء الأعمى منذ مولده

ترأّس صاحب الغبطة القدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة سيّدة ....

17 أيار
أثنين البعوث

بث صلاة أثنين البعوث وخلال هذه الصلاة تتم قراءة الأناجيل باللغات ....

13 نيسان
رتبة الهجمة وقدّاس عيد القيامة

بث صلاة الهجمة وقداس عيد القيامة من كاتدرائيّة ....

11 نيسان
رسالة صاحب الغبطة بمناسبة عيد القيامة المجيدة

رسالة صاحب الغبطة بمناسبة عيد القيامة ....

11 نيسان
صلاة السحر ورتبة جناز المسيح

بث صلاة السحر ورتبة جناز المسيح من كاتدرائيّة سيّدة ....

11 نيسان
تقديس النور وصلاة الغروب وقدّاس باسيليوس

بث صلاة تقديس النور وصلاة الغروب وقدّاس ....

11 نيسان
صلاة الغروب و تنزيل المصلوب

بث صلاة الغروب وتنزيل المصلوب من كاتدرائيّة سيّدة ....

10 نيسان
صلاة غسل الموائد وقدّاس باسيليوس

بث صلاة غسل الموائد وقدّاس باسيليوس من كاتدرائيّة ....

9 نيسان


تابعونا على مواقع التواصل الأجتماعي

© 2020 -بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك